المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجزء 8؛9؛10؛11؛12؛13من السلسلة الاذكار


نمله
03-22-2007, 09:31 PM
كتاب الأذكار في صلوات مخصوصة

بابُ الأذكارِ المستحبّةِ يومَ الجمعة وليلتها والدُّعاء

يُستحبّ أن يُكْثرَ في يومها وليلتها من قراءة القرآن والأذكار والدعوات، والصلاة على رسول اللّه‏(‏ صلى اللّه عليه وسلم‏)‏ ويقرأ سورة الكهف في يومها‏.‏ قال الشافعي رحمه اللّه في كتاب ‏"‏الأمّ‏"‏‏:‏ وأستحبُّ قراءتَها أيضاً في ليلة الجمعة‏.‏

1/438 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛ أن رسول اللّه ‏(‏صلى اللّه عليه وآله وسلم ‏)‏ ذكرَ يومَ الجمعة فقال‏:‏‏"‏فيهِ ساعَةٌ لا يُوَافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسألُ اللَّهَ تَعالى شَيْئاً إِلاَّ أعْطاهُ إيَّاهُ‏"‏ وأشار بيده يقللها‏.‏ (1)

قلت‏:‏ اختلفَ العلماءُ من السلف والخلف في هذه الساعة على أقوال كثيرة منتشرة غاية الانتشار، وقد جمعتُ الأقوالَ المذكورةَ فيها كلها في شرح المهذّب وبيّنتُ قائلها، وأن كثيراً من الصحابة على أنها بعد العصر‏.‏ والمراد بقائم يُصَلِّي‏:‏ من ينتظرُ الصلاة فإنه في صلاة‏.‏ وأصحّ ما جاء فيها‏:‏

2/439 ما رويناه في صحيح مسلم، عن أبي موسى الأشعري‏(‏ رضي اللّه عنه‏)‏أنه قال‏:‏ سمعتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏هيَ ما بَيْنَ أنْ يَجْلِس الإِمامُ إلى أنْ يَقْضِيَ الصَّلاةَ‏"‏ يعني يجلس على المنبر‏.‏

أما قراءةُ سورة الكهف، والصَّلاةُ على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجاءتْ فيهما أحاديث مشهورة تركتُ نقلَها لطول الكتاب؛ لكونها مشهورة، وقد سبق جملة منها في بابها‏.‏ (2)

3/440 وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس رضي اللّه عنه،عن النبيّ ‏(‏صلى اللّه عليه وسلم ‏)‏قال‏:‏ ‏"‏مَنْ قالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ قَبْلَ صَلاةِ الغَدَاةِ‏:‏ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ وأتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ‏"‏‏.‏‏(3)

4/441 وروينا فيه، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان رسولُ اللّه‏(‏ صلى اللّه عليه وسلم‏)‏ إذا دخل المسجد يومَ الجمعة أخذ بعضادتي الباب ثم قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ اجْعَلْني أوْجَهَ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ، وأقْرَبَ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ، وأفْضَلَ مَنْ سألَكَ وَرَغِبَ إِلَيْكَ‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ يُستحبّ لنا نحن أن نقول‏:‏ اجْعَلْني مِنْ أوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْكَ وَمِنْ أقْرَبِ وَمِنْ أَفْضَلِ‏.‏ فنزيد لفظة (4)

وأما القراءة المستحبة في صلاة الجمعة وفي صلاة الصبح يوم الجمعة فتقدّم بيانها في باب أذكار الصلاة‏.‏

5/442 وروينا في كتاب ابن السني، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ قَرَأ بَعْدَ صَلاةِ الجُمُعَةِ‏:‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفَلَقِ، وَقُلْ أعُوذُ بِرَبّ النَّاسِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ أعاذَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِها مِنَ السُّوءِ إلى الجُمُعَةِ الأُخْرَى‏"‏‏.‏(5)

فصل‏:‏ يُسْتَحَبُّ الإِكثار من ذكر اللّه تعالى بعد صلاة الجمعة، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏‏[‏الجمعة‏:‏10‏[‏‏.‏

بابُ الأذْكَارِ المشروعةِ في العِيدين

اعلم أنه يُستحبّ إحياء ليلتي العيدين بذكر اللّه تعالى والصلاة وغيرهما من الطاعات للحديث الوارد في ذلك‏:‏ ‏"‏مَنْ أَحْيا لَيْلَتي العِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ القُلُوبُ‏"‏ ورُوي ‏"‏مَنْ قَامَ لَيْلَتي العِيدَيْنِ لِلَّهِ مُحْتَسِباً لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ حينَ تَمُوتُ القُلُوبُ‏"‏ هكذا جاء في رواية الشافعي وابن ماجه ‏(6)‏ ، وهو حديث ضعيف رويناه من رواية أبي أمامة مرفوعاً وموقوفاً، وكلاهما ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يُتسامح فيها كما قدّمناه في أوّل الكتاب‏.‏

واختلف العلماءُ في القدر الذي يَحصل به الإِحياءُ، فالأظهرُ أنه لا يحصل إلا بمعظم الليل، وقيل‏:‏ يَحصل بساعة‏.‏

فصل‏:‏ ويستحبّ التكبير ليلتي العيدين، ويُستحبّ في عيد الفطر من غروب الشمس إلى أن يُحرم الإِمام بصلاة العيد، ويُستحبّ ذلك خلفَ الصلواتِ وغيرها من الأحوال‏.‏ ويُكثر منه عند ازدحام الناس، ويُكَبِّر ماشياً وجالساً ومضطجعاً، وفي طريقه، وفي المسجد، وعلى فراشه، وأما عيدُ الأضحى فيُكَبِّر فيه من بعد صلاة الصبح من يوم عَرَفة إلى أن يصليَ العصر من آخر أيام التشريق، وَيُكَبِّر خلفَ هذه العَصْرِ ثم يقطع، هذا هو الأصحّ الذي عليه العمل، وفيه خلاف مشهور في مذهبنا ولغيرنا، ولكن الصحيح ما ذكرناه، وقد جاء فيه أحاديث رويناها في سنن البيهقي، وقد أوضحتُ ذلك كلَّه من حيث الحديث ونقل المذهب في شرح المهذّب وذكرتُ جميعَ الفروع المتعلقة به، وأنا أُشيرُ هنا إلى مقاصده مختصرة‏.‏

قال أصحابنا‏:‏ لفظ التكبير أن يقول‏:‏ ‏"‏اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ‏"‏ هكذا ثلاثاً متواليات، ويكرّر هذا على حسب إرادته‏.‏ قال الشافعي والأصحاب‏:‏ فإن زادَ فقال‏:‏ ‏"‏اللّه أكْبَرُ كَبيراً، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثيراً، وَسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلاً، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلا نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُون، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إِلهَ إِلاَّ اللّه واللَّهُ أكْبَرُ‏"‏ كانَ حَسَناً‏.‏

وقال جماعة من أصحابنا‏:‏ لا بأسَ أن يقول ما اعتاده الناسُ، وهو ‏"‏اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ‏"‏‏.‏

فصل‏:‏ اعلم أن التكبير مشروعٌ بعد كلّ صلاة تُصلَّى في أيام التكبير، سواء كانت فريضة أو نافلة أو صلاة جنازة، وسواءٌ كانت الفريضة مؤدّاة أو مقضية أو منذروة، وفي بعض هذا خلاف ليس هذا موضع بسطه، ولكن الصحيح ما ذكرته وعليه الفتوى وبه العمل، ولو كبَّرَ الإِمامُ على خلاف اعتقاد المأموم بأن كان يَرى الإِمامُ التكبيرَ يوم عرفة أو أيام التشريق، والمأموم لا يَراه، أو عكسه، فهل يتابعه، أم يعمل باعتقاد نفسه‏؟‏ فيه وجهان لأصحابنا‏:‏ الأصحُّ يَعمل باعتقاد نفسه، لأن القدوة انقطعتْ بالسلام من الصلاة بخلاف ما إذا كبَّر في صلاة العيد زيادة على ما يراه المأموم، فإنه يُتابعه من أجل القُدوة‏.‏

فصل‏:‏ والسُّنّة أن يُكبر في صلاة العيد قبل القراءة تكبيراتٍ زوائد، فيُكَبِّر في الركعة الأولى سبعَ تكبيرات سوى الافتتاح، وفي الثانية خمسَ تكبيرات سوى تكبيرة الرفع من السجود، ويكونُ التكبيرُ في الأولى بعد دعاء الاستفتاح وقبل التعوّذ، وفي الثانية قبل التعوّذ‏.‏ ويستحبّ أن يقولَ بين كل تكبيرتين‏:‏ سبحان اللَّه والحمد للّه ولا إِله إِلاَّ اللّه واللّه أكبر، هكذا قاله جمهور أصحابنا‏.‏ وقال بعض أصحابنا‏:‏ يقول‏:‏ ‏"‏لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ‏"‏‏.‏

وقال أبو نصر بن الصباغ وغيره من أصحابنا‏:‏ إن قال ما اعتاده الناس فحَسَن، وهو ‏"‏اللَّهُ أكْبَرُ كَبيراً، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً، وَسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلاً‏"‏ وكل هذا على التوسعة، ولا حَجْرَ في شيء منه، ولو ترك جميع هذا الذكر وترك التكبيرات السبع والخمس، صحَّتْ صلاته ولا يسجد للسهو، ولكن فاتته الفضيلة؛ ولو نسي التكبيرات حتى افتتح القراءة لم يرجع إلى التكبيرات على القول الصحيح‏.‏ وللشافعي قول ضعيف أنه يرجع إليها‏.‏ وأما الخطبتان في صلاة العيد فيُستحبّ أن يُكَبِّرَ في افتتاح الأولى تسعاً، وفي الثانية سبعاً‏.‏ وأما القراءة في صلاة العيد فقد تقدَّم بيان ما يُستحبّ أن يقرأ فيها في باب صفة أذكار الصلاة، وهو أنه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة ‏"‏ق‏"‏، وفي الثانية ‏{‏اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ‏}‏ وإن شاء في الأولى ‏{‏سَبِّحِ اسْم رَبِّكَ الأعْلَى‏}‏ وفي الثانية ‏{‏هَل أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَة‏.‏

بابُ الأَذْكارِ في العَشْر الأُوَلِ من ذي الحِجّة

قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَذْكُروا اسْمَ اللَّهِ فِي أيَّامٍ مَعْلُوماتٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏28‏[‏ الآية‏.‏ قال ابن عباس والشافعي والجمهور‏:‏ هي أيامُ العشر‏.‏

واعلم أنه يُستحبُّ الإِكثار من الأذكار في هذا العشر زيادةً على غيره، ويُستحب من ذلك في يوم عَرَفة أكثر من باقي العشر‏.‏

1/443 روينا في صحيح البخاري، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ما العَمَلُ في أيَّامٍ أفْضَلَ مِنْها في هَذِهِ قالوا‏:‏ وَلا الجهادُ فِي سَبيل اللّه‏؟‏ قال‏:‏ وَلا الجِهادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِرُ بنَفْسِهِ وَمالِه فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ‏"‏ هذا لفظ رواية البخاري وهو صحيح‏.‏ وفي رواية الترمذي‏:‏ ‏"‏ما مِنْ أيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهنَّ أحَبُّ إلى اللّه تعالى مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ‏"‏ وفي رواية أبي داود مثل هذه، إلا أنه قال‏:‏ ‏"‏مِنْ هَذِهِ الأيَّام‏"‏ يعني العشر‏.‏ ‏(7)

2/444 ورويناه في مسند الإِمام أبي محمد عبد اللّه بن عبد الرحمن الدارمي، بإسناد الصحيحين، قال فيه‏:‏

‏"‏ما العَمَلُ فِي أيَّامٍ أفْضَلَ مِنَ العَمَلِ فِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، قيل‏:‏ ولا الجهاد‏؟‏‏"‏ وذكر تمامه، وفي رواية ‏"‏عَشْرِ الأضْحَى‏"‏‏.‏‏(8)

3/445 وروينا في كتاب الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده،عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏خَيْرُ الدُّعاءِ دعاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي‏:‏ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏"‏ ضعَّفَ الترمذي إسناده‏.‏ (9)

4/446 ورويناه في موطأ الإِمام مالك، بإسناد مرسل وبنقصان في لفظه، ولفظه‏:‏ ‏"‏أفْضَلُ الدُّعاءِ دعاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وأفْضَلُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي‏:‏ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ‏"‏‏.‏

وبلغنا عن سالم (10)‏ بن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهم؛ أنه رأى سائلاً يسألُ الناسَ يوم عَرَفَةَ، فقال‏:‏ يا عاجزُ‏!‏ في هذا اليوم يُسألُ غيرُ اللّه عزّ وجلّ‏؟‏

وقال البخاري في صحيحه ‏(11)‏ ‏:‏ كان عمر رضي اللّه عنه يُكَبِّرُ في قُبَّتِهِ بمنى فيسمعه أهلُ المسجد فيُكبِّرون ويُكَبِّر أهلُ الأسواق حتى ترتجّ مِنىً تكبيراً‏.‏ قال البخاري ‏"‏وكان ابنُ عمرَ يُكبِّر بِمنىً تلك الأيام وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً‏"‏‏)‏ ‏:‏ وكان ابن عمر وأبو هريرة رضي اللّه عنهما يَخرجان إلى السوق في أيام العشر يُكَبِّران ويُكَبِّر الناسُ بتكبيرهما‏.‏ ‏(12)



كتاب أذكار الصّيام


بابُ ما يقوله إذا رأى الهلالَ، وما يقولُ إذا رأى القمرَ‏.‏


1/473 روينا في مسند الدارمي وكتاب الترمذي، عن طلحة بن عبيد اللّه رضي اللّه عنه أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنا باليُمْنِ وَالإِيمانِ وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ (1)


2/474 وروينا في مسند الدارمي، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا رأى الهلال قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنا بالأمْنِ والإِيْمَانِ والسَّلامَةِ والإِسلامِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبُّنا وَرَبُّكَ اللَّهُ‏"‏‏.‏(2)


3/475 وروينا في سنن أبي داود في كتاب الأدب، عن قتادة أنه بلغه؛أن نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رأى الهلالَ قال‏:‏‏"‏هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ باللّه الَّذي خَلَقَكَ، ثَلاث مراتٍ، ثم يقول‏:‏ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا‏"‏‏.‏


وفي رواية (3) عن قتادة ‏"‏أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رأى الهلال صرف وجهَه عنه‏"‏ هكذا رواهما أبو داود مُرسَلَين‏.‏ وفي بعض نسخ أبي داود، قال أبو داود‏:‏ ليس في هذا الباب عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حديث مُسند صحيح‏.‏ (4)


5\476 ورويناه في كتاب ابن السني (5)‏ ، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏


(6)


‏ ، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت أخذ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيدي، فإذا القمر حين طلع فقال‏:‏ ‏"‏تَعَوَّذِي باللّه مِنْ شَرّ هَذَا الغاسقِ إذَا وَقَبَ‏"‏ (7)






بابُ الأذكارِ المستحبّة في الصَّوْم‏.‏


يُستحبُّ أن يجمعَ في نيّة الصوم بين القلب واللسان كما قلنا في غيره من العبادات، فإن اقتصر على القلب كفاه، وإن اقتصرَ على اللسان لم يجزئه بلا خلاف، والسُّنّة إذا شتمَه غيرُه أو تَسَافَه عليه في حال صومه أن يقول‏:‏ إني صائم إني صائم، مرتين أو أكثر‏.‏


1/478روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فإذَا صامَ أحَدُكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ ‏(‏‏"‏فلا يرفث ولا يجهل‏"‏‏:‏ قال ابن علاّن‏:‏ كذا فيما وقفت عليه من نسخ، وفيه حذف وهو كما في الصحيحين ‏"‏فإذا كان أحدُكم صائماً فلا يرفثْ ولا يَجْهَل‏"‏ ولم ينبّه على هذا الحافظ ولعله على الصواب فيما وقف عليه من الأصول، ثم رأيته ملحقاً في أصل مصحح‏)‏ ، وَإِنِ امْرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمَهُ فَلْيَقُلْ‏:‏ إني صَائِمٌ إني صَائِمٌ مَرَّتَيْن‏"‏‏.‏(8)


قلت‏:‏ قيل إنه يقول بلسانه ويُسمع الذي شاتمه لعلّه ينزجر، وقيل يقوله بقلبه لينكفّ عن المسافهة ويحافظ على صيانة صومه، والأوّل أظهر‏.‏ ومعنى شاتمه‏:‏ شتمه متعرضاً لمشاتمته، واللّه أعلم‏.‏


2/479 وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُم‏:‏ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمامُ العادِلُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ قلت‏:‏ هكذا الرواية ‏"‏حتى‏"‏ بالتاء المثناة فوق‏.‏ (9)


بابُ ما يقولُ عندَ الإِفْطَار


1/480 روينا في سنن أبي داود والنسائي، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال‏:‏ كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إذا أفطر قال‏:‏ ‏"‏ذَهَبَ الظَّمأُ، وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأجْرُ إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى‏"‏‏.‏


قلت‏:‏ الظمأ مهموز الآخر مقصور‏:‏ وهو العطش‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ذلكَ بأنهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمأُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏120‏]‏ وإنما ذكرت هذا وإن كان ظاهراً لأني رأيتُ مَن اشتبه عليه فتوهمه ممدوداً‏.‏ (10)


2/481 وروينا في سنن أبي داود، عن معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أفطر قال‏:‏‏"‏اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلى رِزْقِكَ أفْطَرْتُ‏"‏ هكذا رواه مرسَلاً‏.‏ (11)


3/482 وروينا في كتاب ابن السني، عن معاذ بن زهرة قال‏:‏كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أفطر قال‏:‏ ‏"‏الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أعانَنِي فَصَمْتُ، وَرَزَقَنِي فأفْطَرْتُ‏"‏‏.‏‏(12)


4/483 وروينا في كتاب ابن السني، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إذا أفطر قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنا، وَعلى رِزْقِكَ أَفْطَرْنا، فَتَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ (13)‏


5/484 وروينا في كتابي ابن ماجه وابن السني، عن عبد اللّه بن أبي مليكة عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إنَّ للصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً ما تُرَدُّ‏"‏ قال ابن أبي مُليكة‏:‏ سمعتُ عبد اللّه بن عمرو إذا أفطرَ يقول‏:‏‏"‏اللَّهُمَّ إني أسألُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء أنْ تَغْفِرَ لي‏"‏‏.‏‏(14)


بابُ ما يَقُولُ إذا أفطرَ عندَ قوم‏.‏


1/485 روينا في سنن أبي داود وغيره، بالإِسناد الصحيح، عن أنس رضي اللّه عنه؛أن النبي صلى اللّه عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ‏"‏‏.‏‏(15)


2/486 وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس قال‏:‏ كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إذا أفطر عند قوم دعا لهم فقال‏:‏ ‏"‏أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ‏"‏ إلى آخره‏.‏ (16)


بابُ ما يَدعُو به إذا صَادَفَ ليلةَ القَدْر


1/487 روينا بالأسانيد الصحيحة في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرها، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ قلتُ يارسول اللَّه‏!‏ إن علمتُ ليلة القدر ما أقول فيها‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏قُولي‏:‏ اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِّي‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ (17)


قال أصحابَنا رحمهم اللّه‏:‏ يُستحبّ أن يُكثِر فيها من هذا الدعاء، ويُستحبّ قراءةُ القرآن وسائر الأذكار والدعوات المستحبة في المواطن الشريفة، وقد سبقَ بيانها مجموعةً ومفرّقةً‏.‏ قال الشافعي رحمه اللّه‏:‏ أستحبّ أن يكون اجتهادُه في يومها كاجتهاده في ليلتها، هذا نصّه‏:‏ ويستحبّ أن يُكثرَ فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعار الصالحين وعباد اللّه العارفين، وباللّه التوفيق‏.‏


باب الأَذْكَارِ في الاعْتِكَاف


يُستحبّ أن يُكثر فيه من تلاوة القرآن وغيرِه من الأذكار‏.‏



كتاب أذكار الحجّ

اعلم أن أذكار الحجّ ودعواته كثيرة لا تنحصر، ولكن نُشير إلى المهمّ من مقاصدها‏.‏ والأذكار التي فيه على ضربين‏:‏ أذكار في سفره، وأذكار في نفس الحجّ‏.‏ فأما التي في سفره فنؤخرها لنذكرَها في أذكار الأسفار- إن شاء اللّه تعالى- وأما التي في نفس الحج فنذكرُها على ترتيب عمل الحجّ إن شاء اللّه تعالى، وأحذفُ الأدلة والأحاديث في أكثرها خوفاً من طول الكتاب، وحصول السآمة على مُطالِعِهِ، فإن هذا البابَ طويلٌ جداً، فلهذا أسلُك فيه الاختصار إن شاء اللّه تعالى‏.‏

فأول ذلك‏:‏ إذا أراد الإِحرام اغتسل وتوضأ ولبس إزاره ورداءه (1)‏ ، وقد قدَّمنا ما يقوله المتوضىء والمغتسل، وما يقول إذا لبس الثوب ثم يُصلِّي ركعتين، وتقدمت أذكار الصلاة، ويُستحبّ أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ‏{‏قُلْ يا أيُّهَا الكافِرُونَ‏}‏ وفي الثانية ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ‏}‏ فإذا فرغ من الصلاة استحبّ أن يدعوَ بما شاء، وتقدَّم ذكرُ جُملٍ من الدعواتِ والأذكار خلفَ الصلاة، فإذا أراد الإِحرام نواه بقلبه‏.‏ ويُستحبُّ أن يساعدَ بلسانه قلبه، فيقول‏:‏ نويتُ الحجَّ وأحرمتُ به للّه عزّوجلّ، لبّيك اللَّهمَّ لبّيك إلى آخر التلبية‏.‏ والواجب نيّة القلب واللفظ سنّة، فلو اقتصر على القلب أجزأه، ولو اقتصر على اللسان لم يجزئه‏.‏

قال الإِمام أبو الفتح سُليم بن أيوب الرازي‏:‏ لو قال يعني بعد هذا‏:‏ اللَّهمّ لك أحرم نفسي وشعري وبشري ولحمي ودمي كان حسناً‏.‏ وقال غيره‏:‏ يقول أيضاً‏:‏ اللهمّ إني نويت الحجّ فأعنّي عليه وتقبله مني، ويلبّي فيقول‏:‏ لبيكَ اللَّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلْك لا شريك لك‏.‏ هذه تلبية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ويُستحبّ أن يقولَ في أوّل تلبية يلبّيها‏:‏ لبّيك اللَّهمّ بحجة إن كان أحرم بحجة، أو لبّيك بعمرة إن كان أحرم بها، ولا يُعيد ذكرَ الحجّ والعمرة فيما يأتي بعد ذلك من التلبية على المذهب الصحيح المختار‏.‏

واعلم أن التلبيةَ سنّةٌ لو تركها صحّ حجّه وعمرتُه ولا شيء عليه، لكن فاتته الفضيلةُ العظيمة والاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، هذا هو الصحيح من مذهبنا ومذهب جماهير العلماء، وقد أوجبها بعضُ أصحابنا، واشترطَها لصحة الحجّ بعضُهم، والصوابُ الأوّل، لكنْ تُستحبّ المحافظة عليها للاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وللخروج من الخلاف، واللَّهُ أعلم‏.‏

وإذا أحرم عن غيره قال‏:‏ نويتُ الحجَّ وأحرمتُ به للّه تعالى عن فلان، لبّيك اللَّهمّ عن فلان إلى آخر ما يقوله مَن يُحرم عن نفسه‏.‏

فصل‏:‏ ويُستحبّ أن يصلِّي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد التلبية، وأن يدعوَ لنفسه ولمن أراد بأمور الآخرة والدنيا، ويسألُ اللّه تعالى رضوانَه والجنّة، ويستعيذُ به من النار، ويُستحبّ الإِكثار من التلبية، ويستحبّ ذلك في كلّ حال‏:‏ قائِماً، وقاعداً، وماشياً، وراكباً، ومضطجعاً، ونازلاً، وسائراً، ومُحْدِثاً، وجُنباً، وحائضاً، وعند تجدّد الأحوال وتغايرها زماناً ومكاناً وغير ذلك، كإقبال الليل والنهار، وعند الأسحار، واجتماع الرِّفاق، وعند القيام والقعود، والصعود والهبوط، والركوب والنزول، وأدبار الصَّلواتِ، وفي المساجد كلِّها، والأصحُّ أنه لا يُلبّي في حال الطواف والسعي، لأن لهما أذكاراً مخصوصة‏.‏

ويُستحبّ أن يرفعَ صوتَه بالتلبية بحيث لا يشقّ عليه، وليس للمرأة رفع الصوت، لأن صوتَها يُخاف الافتتان به‏.‏ ويُستحبّ أن يُكرِّر التلبية كل مرّة ثلاث مرات فأكثر، ويأتي بها متوالية لا يقطعها بكلام ولا غيره‏.‏ وإن سلَّم عليه إنسانٌ ردّ السلام، ويُكره السلام عليه في هذه الحالة، وإذا رأى شيئاً فأعجبه قال‏:‏ لبّيك إن العيشَ عيشُ الآخرة‏.‏ اقتداءً برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏

واعلم أن التلبية لا تزالُ مستحبةً حتى يرميَ جمرة العقبة يومَ النحر أو يطوفَ طوافَ الإِفاضة إن قدّمه عليها، فإذا بدأ بواحد منهما قطعَ التلبية مع أول شروعه فيه واشتغلَ بالتكبير‏.‏ قال الإِمام الشافعي رحمه اللّه‏:‏ ويُلبّي المعتمرُ حتى يَستلم الركن‏.‏

فصل‏:‏ إذا وصل المحرمُ إلى حرم مكة - زاده اللّه شرفاً- استحبَّ له أن يقولَ‏:‏ اللَّهُمَّ هَذَا حَرَمُكَ وأمْنُكَ فَحَرِّمنِي على النارِ، وأمِّنّي مِن عَذَابِكَ يَومَ تَبْعَثُ عِبادَكَ، وَاجْعَلْنِي مِن أولِيائِك وَأهْلِ طَاعَتِكَ، ويدعو بما أحبّ‏.‏

فصل‏:‏ فإذا دخل مكة ووقع بصرُه على الكعبة ووصلَ المسجدَ استحبّ له أن يرفع يديه ويدعو؛ فقد جاء أنه يُستجاب دعاءُ المسلم عند رؤيته الكعبة ويقول‏:‏ اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَشْريفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةً، وَزِدْ مِن شَرَّفَهُ وكَرمَهُ مِمَّنْ حَجَّه أو اعْتَمَرَه تَشْرِيفاً وَتَكْرِيماً وَتَعْظِيماً وَبِرّاً، ويقول‏:‏ اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، حَيِّنا رَبَّنا بالسَّلامِ، ثم يدعو بما شاء من خيرات الآخرة والدنيا، ويقول عند دخول المسجد ما قدّمناه في أوّل الكتاب في جميع المساجد‏.‏

فصل‏:‏ في أذكار الطواف‏:‏ يُستحبّ أن يقول عند استلام الحجر الأسود أولاً، وعند ابتداء الطواف أيضاً‏:‏ بِسمِ اللَّهِ، واللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ إيمَاناً بِكَ وَتَصدِيقاً بِكِتابِكَ، وَوَفاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّباعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ ويُستحبّ أن يكرِّر هذا الذكر عند محاذاة الحجر الأسود في كل طوفة، ويقولُ في رمله في الأشواط الثلاثة ‏"‏اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجّاً مَبْرُوراً ‏(2)‏ ، وذنْباً مَغْفُوراً، وَسَعْياً مَشْكُوراً‏"‏‏.‏ ويقول في الأربعة الباقية‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ وَأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَم، اللَّهُمَّ رَبَّنا آتنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرة حَسَنةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ‏"‏‏.‏

قال الشافعي رحمه اللّه‏:‏ أحبُّ ما يُقال في الطواف‏:‏ اللَّهُمَّ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً إلى آخره، قال‏:‏ وأُحِبُّ أن يُقال في كله، ويُستحبّ أن يدعوَ فيما بين طوافه بما أحبّ من دين ودنيا، ولو دعا واحد وأمَّن جماعةٌ فحسن‏.‏

وحُكي عن الحسن رحمه اللّه أن الدعاء يُستجاب هنالك في خمسة عشر موضعاً‏:‏ في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا والمروة، وفي المسعى، وخلف المقام، وفي عرفات، وفي المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات الثلاث، فمحروم مَن لا يَجتهد في الدعاء فيها‏.‏

ومذهب الشافعي وجماهيرُ أصحابه أنه يُستحبّ قراءةُ القرآن في الطواف لأنه موضعُ ذكر‏.‏ وأفضلُ الذكر قراءةُ القرآن‏.‏ واختار أبو عبد اللّه الحليمي من كبار أصحاب الشافعي أنه لا يُستحبّ قراءة القرآن فيه، والصحيحُ هو الأول‏.‏ قال أصحابُنا‏:‏ والقراءةُ أفضلُ من الدعوات غير المأثورة، وأما المأثورةُ فهي أفضل من القراءة على الصحيح‏.‏

وقيل‏:‏ القراءة أفضل منها‏.‏ قال الشيخ أبو محمد الجويني رحمه اللّه‏:‏ يُستحبّ أن يقرأ في أيام الموسم ختمةً في طوافه فيعظُم أجرُها ‏(3) ، واللّه أعلم‏.‏

ويُستحبّ إذا فرغَ من الطواف ومن صلاة ركعتي الطواف أن يدعوَ بما أحبّ، ومن الدعاء المنقول فيه‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ أَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكِ أتَيْتُكَ بِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ (4) وأعْمالٍ سَيِّئَةٍ، وَهَذَا مَقَامُ العائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ، فاغْفِرْ لي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ‏"‏‏.‏

فصل‏:‏ في الدعاء في الملتزم، وهو ما بين الكعبة والحجر الأسود‏.‏ وقد قدَّمْنَا أنه يُستجاب فيه الدعاء‏.‏

ومن الدعوات المأثورة‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ حَمْداً يُوَافِي نِعَمَكَ، وَيُكافِىءُ مَزِيدَكَ، أحْمَدُكَ بِجَمِيعِ مَحَامِدِكَ ما عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ على جَمِيعِ نِعَمِكَ ما عَلِمْتُ مِنْها وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَعَلى كُلّ حالٍ؛ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ على مُحَمََّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ؛ اللَّهُمَّ أعِذنِي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وأَعِذْني مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَقَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَكْرَمِ وَفْدِكَ عَلَيْكَ، وألْزِمْنِي سَبِيلَ الاسْتِقَامَةِ حتَّى ألْقاكَ يا رَبَّ العالَمِينَ‏!‏‏"‏ (5) ثمّ يدعو بما أحب‏.‏

فصل‏:‏ في الدعاء في الحِجْر، بكسر الحاء وإسكان الجيم، وهو محسوب من البيت‏.‏ وقد قدّمنا أنه يُستجاب الدعاءُ فيه‏.‏

ومن الدعاء المأثور (6)‏ فيه‏:‏ ‏"‏يا رَبّ أتَيْتُكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ مُؤَمِّلاً مَعْرُوفَكَ فَأنِلْنِي مَعْرُوفاً مِنْ مَعْرُوفِكَ تُغْنِينِي بِهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سِوَاكَ يا مَعْرُوفاً بالمَعْرُوفِ‏"‏‏.‏

فصل‏:‏ في الدعاء في البيت، وقد قدَّمْنا أنه يُستجاب الدعاءُ فيه‏.‏

1/488 وروينا في كتاب النسائي، عن أُسامةَ بن زيد رضي اللّه عنهما؛أنَّ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما دخلَ البيتَ أتى ما استقبلَ من دُبر الكعبة فوضعَ وجهَه وخدّه عليه، وحمِدَ اللّه تعالى وأثنى عليه وسألَه واستغفرَه، ثم انصرفَ إلى كلِّ ركنٍ من أركانِ الكعبةِ، فاستقبلَه بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء على اللّه عزّوجلّ والمسألة والاستغفار، ثم خرجَ‏.‏ ‏(7)‏

فصل‏:‏ في أذكار السعي، وقد تقدَّم أنه يُستجاب الدعاءُ فيه، والسُّنّة أن يُطيل القيام على الصفا ويستقبل الكعبة فيُكبّر ويدعو فيقول‏:‏ ‏"‏اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ، اللَّهُ أكْبَرُ على ما هَدَانا، والحَمْدُ لِلَّه على ما أولانا، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ أنجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلا نَعْبُدُ إِلاَّ إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُون؛ اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ‏:‏ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ، وَإِنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، وإنِّي أسألُكَ كما هَدَيْتِني لِلإِسْلامِ أنْ لا تَنْزِعَهُ مِنِّي حتَّى تَتَوَفَّاني وأنَا مُسْلِمٌ‏"‏‏.‏

ثم يدعو بخيرات الدنيا والآخرة، ويكرّر هذا الذكر والدعاء ثلاثَ مرّات، ولا يُلبّي؛ وإذا وصل إلى المروة رَقَى عليها وقال الأذكار والدعواتِ التي قالها على الصفا‏.‏

وروينا (8) ، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه كان يقول على الصفا‏:‏ اللَّهُمَّ اجْعَلْنا نُحِبُّكَ، ونُحِبُّ مَلائِكَتَكَ وأنْبِياءَكَ وَرُسُلَكَ، وَنُحِبُّ عِبادَكَ الصَّالِحِينَ؛ اللَّهُمَّ حَبِّبْنا إلَيْكَ وَإلى مَلائِكَتِكَ وإلَى أنْبِيائِكَ وَرُسُلِكَ وإلى عِبادِكَ الصَّالِحِينَ؛ اللَّهُمَّ يَسِّرْنا لليُسْرَى، وَجَنِّبْنا العُسْرَى، واغْفِرْ لَنا في الآخِرَةِ والأولى، وَاجْعَلْنا مِنْ أئمَّةِ المُتَّقِينَ‏"‏‏.‏

ويقول في ذهابه ورجوعه بين الصفا والمروة‏:‏ رَبّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتجاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ إنَّكَ أنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ؛ اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ‏.‏

ومن الأدعية المختارة في السعي وفي كل مكان‏:‏ اللَّهُمَّ يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ (9)

‏ ثَبِّتْ قَلْبِي على دينِكَ ‏(10)‏ ، اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مُوجِباتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ، وَالفَوْزَ بالجَنَّةِ، وَالنَّجاةَ مِنَ النَّارِ؛ اللَّهُمَّ إنِّي أسألُكَ الهُدَى والتُّقَى والعَفَافَ وَالغِنَى؛ اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِك؛ اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَما لَمْ أَعْلَمْ وأعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرّ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أعْلَمْ، وأسألُكَ الجَنَّةَ وَما قرَّب إِلَيْها مِنْ قَوْل أوْ عَمَلٍ ‏(11) ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إلَيْها مِننْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ‏.‏ ولو قرأ القرآن كان أفضل‏.‏ وينبغي أن يجمع بين هذه الأذكار والدعوات والقرآن، فإن أراد الاقتصار أتى بالمهمّ‏.‏

فصل‏:‏ في الأذكار التي يقولها في خروجه من مكة إلى عرفات‏.‏ يُستحبّ إذا خرجَ من مكة متوجهاً إلى مِنىً أن يقول‏:‏ اللَّهُمَّ إيَّاكَ أرْجُو، وَلَكَ أدْعُو، فَبَلِّغْنِي صَالِحَ أمَلِي، واغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَامْنُنْ عَليَّ بِما مَنَنْتَ بِهِ على أهْلِ طاعَتِكَ إنَّكَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (12).‏ وإذا سار من مِنىً إلى عَرَفَةَ استُحِبَّ أن يقول‏:‏ اللَّهُمَّ إلَيْكَ تَوَجَّهتُ، وَوَجْهَكَ الكَرِيمَ أرَدْتُ، فاجْعَلْ ذَنْبِي مَغْفُورَاً، وَحَجِّي مَبْرُوراً، وارْحَمْنِي وَلاَ تُخَيِّبْني إنَّكَ على كلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏.‏ ويُلَبِّي ويقرأ القرآن، ويُكثر من سائر الأذكار والدعوات، ومن قوله‏:‏ اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ‏.‏

فصل‏:‏ في الأذكار والدعوات المستحبّات بعرفات‏.‏

قد قدَّمنا في أذكار العيد حديث (13)‏ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏خَيْرُ الدُّعاءِ يَوْمَ عَرَفَة، وَخَيْرُ ما قُلْتُ أنا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي‏:‏ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏"‏‏.‏

فيُستحبّ الإِكثارُ من هذا الذكر والدعاء، ويَجتهدُ في ذلك، فهذا اليوم أفضلُ أيام السنة للدعاء، وهو مُعظم الحج (14) ، ومقصودُه والمعوّل عليه، فينبغي أن يستفرغَ الإِنسانُ وُسعَه في الذكر والدعاء وفي قراءة القرآن، وأن يدعوَ بأنواع الأدعية، ويأتي بأنواع الأذكار، ويدعو لنفسه ويذكر في كلّ مكان، ويدعو منفرداً ومع جماعة، ويدعو لنفسه ووالديه وأقاربه ومشايخه وأصحابه وأصدقائه وأحبابه، وسائر مَن أحسن إليه وجميع المسلمين‏.‏ وليحذر كلَّ الحذرِ من التقصير في ذلك كله، فإن هذا اليوم لا يمكن تداركه، بخلاف غيره‏.‏ ولا يتكلَّفُ السجعَ في الدعاء، فإنّه يُشغل القلبَ ويُذهبُ الانكسار والخضوعَ والافتقار والمسكنة والذلّة والخشوع، ولا بأس بأن يدعو بدعواتٍ محفوظة معه له أو غيره مسجوعة إذا لم يشتغل بتكلّف ترتيبها ومراعاة إعرابها‏.‏

والسُّنّة أن يخفضَ صوته بالدعاء، ويكثر من الاستغفار والتلفّظ بالتوبة من جميع المخالفات مع الاعتقاد بالقلب ويلحّ في الدعاء ويكرّره، ولا يستبطىء الإِجابة، ويفتح دعاءه ويختمه بالحمد للّه تعالى والثناء عليه سبحانه وتعالى، والصلاة والتسليم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وليختمه بذلك وليحرص على أن يكون مستقبلَ الكعبة وعلى طهارة‏.‏

2/489 وروينا في كتاب الترمذي، عن عليّ رضي اللّه عنه قال‏:‏أكثرُ دعاءِ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يوم عَرَفة في الموقف‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ لَكَ الحمدُ كالذي نقولُ، وخيراً مما نقولُ؛ اللَّهُمَّ لَكَ صَلاتِي وَنُسُكِي، وَمَحْيايَ وَمَمَاتِي، وإلَيْكَ مآلِي، وَلَكَ رَبِّ تُرَاثي؛ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَوَسْوَسَةِ الصَّدْرِ، وَشَتاتِ الأمْرِ؛ اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ ما تجيءُ بهِ الرّيحُ‏"‏‏.‏‏(15)

ويُستحبّ الإِكثار من التلبية فيما بين ذلك، ومن الصَّلاة والسلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأن يُكثِرَ من البكاء مع الذكر والدعاء، فهنالك تُسكبُ العَبَرات، وتُستقال العثرات، وترتجى الطلبات، وإنه لموقفٌ عظيم ومَجمع جليل، يجتمعُ فيه خيار عباد اللّه المخلصين، وهو أعظم مجامع الدنيا‏.‏

ومن الأدعية المختارة ‏(16)‏ ‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذَابَ النَّارِ‏"‏‏.‏

‏"‏اللَّهُمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، فاغْفرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عندِكَ، وَارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ‏"‏‏.‏

‏"‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَغْفِرَةً تُصْلِحْ بِها شأني فِي الدَّارَيْنِ، وارْحَمْنِي رَحْمَةً أسْعَدُ بِهَا في الدَّارَيْنِ، وَتُبْ عليَّ تَوْبَةً نَصُوحاً لا أنْكُثُها أبَداً، وألْزِمْنِي الاسْتِقَامَةِ لا أَزيغُ عَنْها أبَداً‏"‏‏.‏

‏"‏اللَّهُمَّ انْقُلْنِي مِنْ ذُلِّ المَعْصِيَةِ إلى عِزَّ الطَّاعَةِ، وأغْنِنِي بحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَبِطاعَتِكَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ، وَبِفَضْلِكَ عَمَّن سِوَاكَ‏"‏‏.‏

‏"‏وَنَوِّرْ قَلْبِي وَقَبْرِي وأعِذْنِي مِنَ الشَّرَّ كُلِّهِ، واجْمَعْ لي الخَيْرَ كُلَّهُ‏"‏‏.‏

فصل‏:‏ في الأذكار المستحبّة في الإِفاضة من عَرَفَة إلى مزدلفة‏.‏

قد تقدم أنه يُستحبّ الإِكثارُ من التلبية في كل موطن، وهذا من آكدها‏.‏ ويُكثر من قراءة القرآن ومن الدعاء، ويُستحبّ أن يقول ‏(17)‏ ‏:‏ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ويُكرِّر ذلك‏.‏

ويقول (18)‏ ‏:‏ إِلَيْكَ اللَّهُمَّ أرْغَبُ، وإيَّاكَ أرْجُو، فَتَقَبَّلْ نُسُكِي وَوَفِّقْنِي وارْزُقْنِي فيهِ مِنَ الخَيْرِ أكْثَرَ ما أطْلُبُ، وَلا تُخَيِّبْني إنَّكَ أنْتَ اللَّهُ الجَوَادُ الكَرِيمُ‏.‏

وهذه الليلة هي ليلة العيد، وقد تقدَّمَ في أذكار العيد بيان فضل إحيائها بالذكر والصلاة، وقد انضمّ إلى شرف الليلة شرفُ المكان، وكونُه في الحرم والإِحرام، ومَجمعُ الحجيج، وعقيب هذه العبادة العظيمة، وتلك الدعوات الكريمة في ذلك الموطن الشريف‏.‏

فصل‏:‏ في الأذكار المستحبة في المزدلفة والمشعر الحرام‏.‏ قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فإذَا أفَضْتُمْ (19) مِنْ عَرَفَاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ (20) عنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ (21)‏ واذْكُرُوهُ كما هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏198‏]‏ فيُستحبّ الإِكثارُ من الدعاء في المزدلفة في ليلته، ومن الأذكار والتلبية وقراءة القرآن فإنها ليلة عظيمة‏.‏ كما قدَّمناه في الفصل الذي قبل هذا‏.‏

ومن الدعاء المذكور فيها‏:‏ اللَّهُمَّ إني أسألُكَ أنْ تَرْزُقَنِي في هَذَا المَكانِ جَوامِعَ الخَيْرِ كُلِّهِ، وأنْ تُصْلِحَ شأنِي كُلَّهُ، وأنْ تَصْرِفَ عَنِّي الشَّرَّ كُلَّهُ، فإنَّه لاَ يَفْعَلُ ذلكَ غَيْرُكَ، وَلاَ يَجُودُ بِهِ إِلاَّ أنْتَ (22).‏

وإذا صلَّى الصبحَ في هذا اليوم صلاَّها في أوّل وقتها، وبالغَ في تبكيرها، ثم يسيرُ إلى المشعر الحرام، وهو جبل صغير في آخر المزدلفة يُسمَّى ‏"‏قُزَح‏"‏ بضم القاف وفتح الزاي، فإن أمكنه صعودُه صَعَدَه، وإلا وقف تحتَه مستقبلَ الكعبة، فيَحمد اللّه تعالى ويُكبِّره ويُهلِّله ويُوحِّده ويُسبِّحه ويُكثر من التلبية والدعاء، ويُستحبّ أن يقولَ‏:‏ اللَّهُمَّ كما وَقَفْتَنا فِيهِ وأرَيْتَنا إيّاه، فَوَفِّقْنا لذِكْرِكَ كما هَدَيْتَنا، وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمنَا كما وَعَدْتَنا بِقَوْلِكَ وَقَوْلُكَ الحَقّ‏:‏ ‏{‏فإذا أفضْتُمْ مِنْ عَرفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّه عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ واذْكُرُوهُ كما هَداكُمْ وإنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلهِ لَمِنَ الضَّالِّين، ثمَّ أفيضُوا مِنْ حَيْثُ أفاضَ النَّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللّه إنَّ اللّه غَفُورٌ رَحيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 198 ـ 199‏]‏ ويُكثر من قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَضنَةً وفي الآخِرةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذاب النَّارِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 201‏]‏‏.‏

ويُستحبّ أن يقول‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْد كُلُّهُ، وَلَكَ الكَمالُ كُلُّهُ، ولك الجَلالُ كُلُّهُ، ولك التقديس كُلُّهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي جَميعَ ما أسْلَفْتُهُ، وَاعْصِمْنِي فِيما بَقِيَ، وَارْزُقْني عَمَلاً صَالِحاً تَرْضَى بِهِ عنِّي يا ذَا الفَضْلِ العَظِيمِ‏"‏ ‏(23)

‏"‏اللَّهُمَّ إني أسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بخَوَاصّ عِبَادِكَ، وأتَوَسَّلُ بِكَ إِلَيْكَ، أسألُكَ أنْ تَرْزُقَنِي جَوَامِعَ الخَيْرِ كُلِّهِ، وأن تَمُنَّ عَليَّ بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلى أوْلِيائِكَ، وأنْ تُصْلحَ حالي في الآخِرَةِ وَالدُّنْيا يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ‏!‏‏"‏ (24)

فصل‏:‏ في الأذكار المستحبّة في الدفع من المشعر الحرام إلى منىً‏.‏ إذا أسفر الفجرُ انصرفَ من المشعر الحرام متوجهاً إلى مِنىً، وشعارهُ التلبيةُ والأذكارُ والدعاءُ والإِكثارُ من ذلك كلّه، وليحرصْ على التلبية فهذا آخر زمنها، وربما لا يُقدَّر له في عمره تلبية بعدها‏.‏

فصل‏:‏ في الأذكار المستحبة بمِنى يَوْمَ النحر‏.‏ إذا انصرفَ من المشعر الحرام ووصلَ مِنىً يُستحبّ أن يقول‏:‏ ‏"‏الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي بَلَّغَنِيها سالِماً مُعافَىً، اللَّهُمَّ هَذِهِ مِنَى قَدْ أتَيْتُها وأنا عَبْدُكَ وفي قَبْضَتِكَ أسألُكَ أنْ تَمُنَّ عَليَّ بِمَا مَنَنْتَ به على أوليائِكَ؛ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ الحِرْمانِ وَالمُصِيبَةِ في دِينِي يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ‏!‏‏"‏ (25) ‏.‏

فإذا شرعَ في رمي جمرة العَقَبة قطعَ التلبية مع أوّل حصاة واشتغلَ بالتكبير فيُكبِّر مع كل حصاة، ولا يُسنُّ الوقوف عندها للدعاء، وإذا كان معه هَدْي فنحرَه أو ذبحه، استحبّ أن يقول عند الذبح أو النحر‏:‏ ‏"‏بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ؛ اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِه وسَلّم، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ، تَقَبَّلْ مِنِّي‏"‏ أو تَقَبَّلْ مِنْ فُلانٍ إن كان يذبحه عن غيره‏.‏

وإذا حلَقَ رأسه بعد الذبح فقد استحبّ بعض علمائنا أن يُمسك ناصيته

(26) بيده حالة الحلق ويُكبِّر ثلاثاً ثم يقول‏:‏ الحَمْدُ للّه على ما هَدَانا، والحَمْدُ لِلَّهِ على ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْنا؛ اللَّهُمَّ هَذِهِ نَاصِيَتي فَتَقَبَّلْ مِنِّي وَاغْفِرْ لي ذُنُوبي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وللْمُحَلِّقِينَ والمُقَصِّرِينَ، يا وَاسِعَ المَغْفِرَةِ‏,‏ آمِين‏.‏ وإذا فرغ من الحلق كبَّر وقال‏:‏ الحَمْدُ لِلَّهِ الذي قَضَى عَنَّا نُسُكَنا؛ اللَّهُمَّ زِدْنا إيمَاناً وَيَقِيناً وَتَوْفِيقاً وَعَوناً، وَاغْفِرْ لَنَا ولآبائِنا وأُمَّهاتِنا والمُسْلِمينَ أجْمَعِينَ‏.‏

فصل‏:‏ في الأذكار المستحبة بمِنىً في أيام التشريق‏.‏

3/490 روينا في صحيح مسلم، عن نُبَيْشَةَ الخير (27)‏ الهذليِّ الصحابي رضي اللّه عنه قال‏:‏

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أيَّامُ التَّشْرِيقِ ‏(28)‏ أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ وَذْكْرِ اللَّهِ تَعالى‏"‏‏.‏ فيُستحبّ الإِكثار من الأذكار، وأفضلُها قراءة القرآن‏.‏ والسنّة أن يقف في أيام الرمي كل يوم عند الجمرة الأولى إذا رماها، ويستقبل الكعبة، ويحمَد اللّه تعالى، ويُكبِّر، ويُهلِّلُ، ويُسبِّح، ويدعو مع حضور القلب وخشوع الجوارح، ويَمكثُ كذلك قدرَ قراءة سورة البقرة، ويفعلُ في الجمرة الثانية وهي الوسطى كذلك، ولا يقفُ عند الثالثة، وهي جمرة العقبة‏.‏ (29)

فصل‏:‏ وإذا نفرَ من مِنىً فقد انقضى حجُّه ولم يبقَ ذكرٌ يتعلَّق بالحجّ لكنه مسافر، فيُستحبّ له التكبير والتهليل والتحميد والتمجيد وغير ذلك من الأذكار المستحبة للمسافرين‏.‏ وسيأتي بيانُها إن شاء اللّه تعالى‏.‏

وإذا دخل مكة وأراد الاعتمار فعل في عمرته من الأذكار ما يأتي به في الحجّ في الأمور المشتركة بين الحجّ والعمرة، وهي‏:‏ الإحرام والطواف والسعي والذبح والحلق، واللّه أعلم‏.‏

فصل‏:‏ فيما يقوله إذا شرب ماء زمزم‏.‏

4/491 روينا عن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَاءُ زمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ‏"‏‏.‏ وهذا مما عَمِلَ العلماءُ والأخيارُ به، فشربُوه لمطالبَ لهم جليلةٍ فنالوها‏.‏ قال العلماء‏:‏ فيُستحبّ لمن شربَه للمغفرة أو للشفاء من مرضٍ ونحو ذلك أن يقول عند شربه‏:‏ اللَّهُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ‏"‏ اللَّهُمَّ وإني أشْرَبُهُ لِتَغْفِرَ لي وَلِتَفْعَلَ بي كَذَا وكَذَا، فاغْفِرْ لي أوِ افْعَلْ‏.‏ أو‏:‏ اللَّهُمَّ إني أشْرَبُهُ مُسْتَشْفِياً بِهِ فَاشْفِني، ونحو هذا، واللّه أعلم‏.‏ ‏(30)



فصل‏:‏ وإذا أراد الخروج من مكة إلى وطنه طافَ للوَدَاع، ثم أتى الملتَزَم فالتزمه، ثم قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ، البَيْتُ بَيْتُك، وَالعَبْدُ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبدِكَ وابْنُ أمَتِكَ، حَمَلْتَنِي على ما سَخَّرْتَ لي مِنْ خَلْقِكَ، حتَّى سَيَّرْتَني فِي بِلادِكَ، وَبَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ حتَّى أعَنْتَنِي على قَضَاءِ مَناسِكِكَ، فإنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فازْدَدْ عني رِضاً وَإِلاَّ فَمِنَ الآنَ قَبْلَ أنْ يَنأى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، هَذَا أوَانُ انْصِرَافي، إنْ أذِنْتَ لي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلا بِبَيْتِكَ، وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فأصْحِبْنِي العافِيَةَ في بَدَنِي وَالعِصْمَةَ في دِينِي، وأحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وَارْزُقْنِي طاعَتَكَ ما أبْقَيْتَنِي، واجْمَعْ لي خَيْرَي الآخِرةِ والدُّنْيا، إنَّكَ على كُلّ شَيْءٍ قدِيرٌ‏"‏ ‏(31)

ويفتتحُ هذا الدعاءَ ويختمه بالثناء على اللّه سبحانه وتعالى، والصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم في غيره من الدعوات‏.‏ وإن كانت امرأة حائضاً استحبّ لها أن تقف على باب المسجد وتدعو بهذا الدعاء ثم تنصرف، واللّه أعلم‏.‏



فصل‏:‏ في زيارة قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأذكارها‏.‏

اعلم أنه ينبغي لكل من حجّ أن يتوجه إلى زيارة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، سواء كان ذلك طريقه أو لم يكن، فإن زيارته صلى اللّه عليه وسلم من أهمّ القربات وأربح المساعي (32) وأفضل الطلبات، فإذا توجَّه للزيارة أكثرَ من الصلاة عليه صلى اللّه عليه وسلم في طريقه، فإذا وقعَ بصرُه على أشجار المدينة وحَرمِها وما يَعرفُ بها زاد من الصلاة والتسليم عليه صلى اللّه عليه وسلم، وسألَ اللّه تعالى أن ينفعَه بزيارته صلى اللّه عليه وسلم، وأن يُسعدَه بها في الدارين، وليقلْ‏:‏ اللَّهُمَّ افْتَحْ عَليَّ أبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَارْزُقْنِي في زِيارَةِ قَبْرِ نَبِيِّكَ صلى اللّه عليه وسلم ما رزقْتَهُ أوْلِياءَكَ وأهْلَ طَاعَتِكَ واغْفِرْ لي وارْحمنِي يا خَيْرَ مَسْؤُول‏.‏ وإذا أراد دخول المسجد استحبّ أن يقولَ ما يقوله عند دخول باقي المساجد، وقد قدّمناه في أول الكتاب، فإذا صلّى تحية المسجد أتى القبر الكريم فاستقبله واستدبر القبلة على نحو أربع أذرع من جدار القبر، وسلَّم مقتصداً لا يرفع صوته، فيقول‏:‏ ‏"‏السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللّه‏!‏ السَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيرَةَ اللّه مِنْ خَلْقِهِ‏!‏ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ‏!‏ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ‏!‏ السَّلامُ عَلَيْكَ وَعلى آلِكَ وأصْحابِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ وَعَلى النَّبيِّينَ وَسائِرِ الصَّالِحِينَ؛ أشْهَدُ أنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسالَةَ، وأدَّيْتَ الأمانَةَ، وَنَصَحْتَ الأُمَّةَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا أفْضَلَ مَا جَزَى رَسُولاً عَنْ أُمَّتِهِ‏"‏ (33)

وإن كان قد أوصاه أحدٌ بالسَّلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ السَّلام عليك يا رسولَ اللّه من فلان بن فلان‏!‏ ثم يتأخرَ قدر ذراع إلى جهة يمينه فيُسلِّم على أبي بكر، ثم يتأخرُ ذراعاً آخرَ للسلام على عُمر رضي اللّه عنهما، ثم يرجعُ إلى موقفه الأوّل قُبالة وجهِ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيتوسلُ به في حقّ نفسه، ويتشفعُ به إلى ربه سبحانه وتعالى، ويدعو لنفسه ولوالديه وأصحابه وأحبابه ومَن أحسنَ إليه وسائر المسلمين، وأن يَجتهدَ في إكثار الدعاء، ويغتنم هذا الموقف الشريف ويحمد اللّه تعالى ويُسبِّحه ويكبِّره ويُهلِّله ويُصلِّي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويُكثر من كل ذلك، ثم يأتي الروضةَ بين القبر والمنبر، فيُكثر من الدعاء فيها‏.‏

5/492 فقد روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ما بَيْنَ قبري وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ‏"‏‏.‏(34)

وإذا أراد الخروج من المدينة والسفرَ استحبّ أن يُودِّع المسجد بركعتين، ويدعو بما أحبّ، ثم يأتي القبر فيُسلّم كما سلَّم أوّلاً، ويُعيد الدعاء، ويُودّع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ويقول‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ هَذَا آخِرَ العَهْدِ بِحَرَمِ رَسُولِكَ، وَيَسِّرْ لي العَوْدَ إِلى الحَرَمَيْنِ سَبِيلاً سَهْلَةً بِمَنِّكَ وَفَضْلِكَ، وَارْزقْنِي العَفْوَ والعَافِيةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وَرُدَّنا سالِمِينَ غانِمِينَ إلى أوْطانِنا آمِنِينَ

فهذا آخرُ ما وفّقني اللّه بجمعه من أذكار الحجّ‏.‏ وهي وإن كان فيها بعض الطول بالنسبة إلى هذا الكتاب فهي مختصرة بالنسبة إلى ما نحفظه فيه، واللّه الكريم نسأل أن يوفِّقنا لطاعته، وأن يجمعَ بيننا وبين إخواننا في دار كرامته‏.‏

وقد أوضحت في كتاب المناسك ما يتعلَّق بهذه الأذكار من التتمّات والفروع الزائدات، واللّه أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة والتوفيق والعصمة‏.‏

وعن العُتْبيّ ‏(35)‏ قال‏:‏ كنتُ جالساً عند قبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فجاء أعرابيٌّ فقال‏:‏ السلام عليك يا رسول اللّه‏!‏ سمعتُ اللّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏64‏]‏ وقد جئتُك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول‏:‏

يا خيرَ مَنْ دُفنتْ بالقاع أعظُمُه * فطابَ من طيبهنَّ القَاعُ والأكمُ

نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ * فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرَمُ

قال‏:‏ ثم انصرفَ، فحملتني عيناي فرأيت النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم في النوم فقال لي‏:‏ يا عُتْبيّ، الحقِ الأعرابيَّ فبشِّره بأن اللّه تعالى قد غفر له‏.‏


كتاب أذكار الجهاد


أما أذكار سفره ورجوعه فسيأتي في كتاب أذكار السفر إن شاء اللّه تعالى‏.‏ وأما ما يختصّ به فنذكرُ منه ما حضرَ الآن مختصراً‏.‏


بابُ استحباب سؤال الشهادة‏.‏


1/493 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي اللّه عنه؛أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم دخل على أُمّ حَرَام ‏(‏‏"‏على أُمّ حرام‏"‏‏:‏ زاد في رواية‏:‏ بنت مِلْحَان، وكانت تحت عبادة بن الصامت، وهي الغُمَيْصَاء بالغين المعجمة والصاد المهملة؛ والغمص والرمص‏:‏ نقص يكون في العين‏.‏ قال في الصحاح‏:‏ الرمص بالتحريك‏:‏ وسخ يُجمع في الموق، فإن سال فهو غمص، وإن جمد فهو رَمَص‏)‏ ، فنام ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت‏:‏ وما يُضحكك يا رسول اللّه‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏"‏ناسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَليَّ غُزَاةً في سَبيلِ اللّه يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ مُلُوكاً على الأسِرَّةِ أوْ مِثْلَ المُلُوك‏"‏ فقالت‏:‏ يا رسولَ اللّه‏!‏ ادْعُ اللّه أن يجعلني منهم، فدعا لها رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ ‏(1)


قلت‏:‏ ثبج البحر بفتح الثاء المثلثة وبعدها باء موحدة مفتوحة أيضاً ثم جيم‏:‏ أي ظهره؛ وأُمّ حَرَامٍ بالراء‏.‏


2/494 وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، عن معاذ رضي اللّه عنه‏,‏أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏مَنْ سألَ اللَّهَ القَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقاً، ثمَّ ماتَ أوْ قُتِلَ فإنَّ لَهُ أجْرَ شَهِيدٍ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ ‏(2)


3/495 وروينا في صحيح مسلم، عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ طَلَبَ الشَّهادَةَ صَادِقاً أُعْطِيها وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ‏"‏‏.‏‏(3)


4/496 وروينا في صحيح مسلم أيضاً، عن سهل بن حُنيف رضي اللّه عنه،أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ سألَ اللَّهَ تَعالى الشَّهادَة بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ تَعالى مَنازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإنْ ماتَ على فِرَاشِهِ‏"‏‏.‏(4)


باب حثّ الإِمام أمير السرية على تقوى اللّه تعالى، وتعليمه إيّاه ما يحتاج إليه من أمر قتال عدوّه ومصالحتهم وغير ذلك‏.‏


1/497 روينا في صحيح مسلم، عن بريدة رضي اللّه عنه قال‏:‏كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أمّرَ أميراً على جيشٍ أو سريةٍ، أوصاه في خاصّتِه بتقوى اللّه تعالى ومَنْ معه من المسلمين خيراً، ثم قال‏:‏ ‏"‏اغزوا باسْمِ اللّه في سَبِيلِ اللَّهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ باللّه، اغْزُوا وَلا تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا وَلا تُمَثِّلوا وَلا تَقْتُلُوا وَلِيداً، وَإذا لقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ فادْعُهُمْ إلى ثلاثِ خِصالٍ‏"‏ وذكر الحديث بطوله‏.‏ (5)


باب بيان أن السنّة للإِمام وأمير السرية إذا أراد غزوة أن يورّي بغيرها


1/498 روينا في صحيحي البخاري ومسلم،عن كعب بن مالك رضي اللّه عنه قال‏:‏ لم يكن رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يُريد سفرة إلاّ ورّى بغيرها‏.‏ (6)


بابُ الدعاء لمن يُقاتلُ أو يعملُ على ما يُعين على القتال في وجهه وذكر ما يُنَشِّطُهم ويحرِّضُهم على القتال


قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيُّها النَّبِيُّ حَرّضِ المُؤْمِنِينَ على القِتالِ‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 65‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وحَرّضِ المُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏84‏]‏


1/499 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏خرجَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلما رأى ما بهم من النَّصَب والجوع قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ، فاغْفِرْ لِلأنْصَارِ وَالمُهاجِرَةِ‏"‏‏.‏‏(7)(‏البخاري ‏(‏4099‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1805‏)‏ ، والترمذي ‏(‏3856‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏4099‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1805‏)‏ ، والترمذي ‏(‏3856‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏4099‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1805‏)‏ ، والترمذي ‏(‏3856‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏4099‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1805‏)‏ ، والترمذي ‏(‏3856‏)‏"(‏البخاري ‏(‏4099‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1805‏)‏ ، والترمذي ‏(‏3856‏)‏


بابُ الدعاء والتضرّع والتكبير عند القتال واستنجاز اللّه ما وعد من نصر المؤمنين‏.‏


قال اللّه عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏يا أيُّها الَّذين آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّه كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏.‏ وأطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللّه مَعَ الصَّابِرِينَ‏.‏ وَلا تَكُونُوا كالَّذينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاء النَّاسِ وَيَصُدُونَ عَنْ سَبِيلِ اللّه‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 45ـ47‏]‏ قال بعض العلماء هذه الآية الكريمة أجمع شيء جاء في آداب القتال‏.‏


1/500 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن عباس قال‏:‏ قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وهو في قُبّته‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ إني أنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ، فأخذ أبو بكر رضي اللّه عنه بيده فقال‏:‏ حَسْبُكَ يا رسول اللّه‏!‏ فقد أَلْحَحْتَ على ربِّك، فخرج وهو يقول‏:‏ ‏{‏سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ‏.‏ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأمَرُّ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏45ـ46‏]‏‏"‏ وفي رواية ‏"‏كان ذلك يوم بدر‏"‏ هذا لفظ رواية البخاري‏.‏ وأما لفظ مسلم فقال‏:‏ ‏"‏استقبل نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم القبلة ثم مَدََّ يديه فجعل يهتفُ بربه يقول‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ أنْجِزْ لي ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ ما وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِنْ أهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأرْضِ، فما زال يهتف بربه مادّاً يديه حتى (8)


قلتُ‏:‏ يَهتف بفتح أوله وكسر ثالثه ومعناه‏:‏ يرفع صوته بالدعاء‏.‏


2/501 وروينا في صحيحيهما، عن عبد اللّه بن أبي أوفى رضي اللّه عنهما؛أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ـ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو ـ انتظر حتى مالتِ الشمسُ ثم قامَ في الناس فقال‏:‏ ‏"‏أيُّها النَّاسُ لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوّ ‏(‏‏"‏لا تتمنّوا لقاء العدو‏"‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال ابن بطال‏:‏ حكمة النهي أن المرء لا يعلمُ ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن‏)‏ وَسَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فإذَا لَقيتُموهُم فاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ، ثم قال‏:‏ اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، ومُجْرِيَ السَّحابِ، وَهازِم الأحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكتابِ، سَرِيعَ الحِسابِ، اهْزِمِ الأحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ‏"‏‏.‏‏(9)


3/502 وروينا في صحيحيهما، عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏صبَّحَ النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم خيبرَ، فلما رأوْه قالوا‏:‏ محمد والخميس، فلجؤوا إلى الحصن، فرفعَ النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم يديه فقال‏:‏ ‏"‏اللَّهُ أكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إذَا نَزَلْنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ‏"‏‏.‏‏(10)


4/503 وروينا بالإِسناد الصحيح، في سنن أبي داود، عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه، قال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ ـ أوْ قَلَّما تُرَدَّانِ ـ الدُعاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ البأسِ حِينَ يُلْجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً‏"‏ (11)


قلت‏:‏ في بعض النسخ المعتمدة ‏"‏يُلْحِمُ‏"‏ بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر‏.‏


5/504 وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا غزا قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ أنْتَ عَضُدِي وَنَصيرِي، بِكَ أحُولُ وَبِكَ أصُولُ، وَبِكَ أُقاتِلُ‏"‏‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ قُلْتُ‏:‏ معنى عَضُدِي‏:‏ عوني‏.‏ قال الخطابي‏:‏ معنى أحول‏:‏ أحتال‏.‏ قال‏:‏ وفيه وجه آخر، وهو أن يكون معناه‏:‏ المنع والدفع، من قولك‏:‏ حال بين الشيئين‏:‏ إذا منع أحدهما من الآخر، فمعناه‏:‏ لا أمنعُ ولا أدفعُ إلا بك‏.‏ (12)


6/505 وروينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود والنسائي، عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه‏:‏أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا خافَ قوماً قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ‏"‏‏.‏‏(13)


7/506 وروينا في كتاب الترمذي، عن عمارة بن زَعْكَرَةَ رضي اللّه عنه قال‏:‏سمعت رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ‏:‏ إنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي، الَّذي يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُلاقٍ قِرْنَهُ‏"‏ يعني عند القتال‏.‏ قال الترمذي‏:‏ ليس إسناده بالقويّ‏.‏ ‏(14)‏قلت‏:‏ زَعْكَرة بفتح الزاي والكاف وإسكان العين المهملة بينهما‏.‏


8/507 وروينا في كتاب ابن السني، عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم خيبَر ‏"‏لا تَتَمَّنَّوْا لِقَاءَ العَدُوّ، فإنَّكُمْ لا تَدْرُونَ ما تُبْتَلوْ بِهِ مِنْهُمْ، فإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَقُولُوا‏:‏ اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّنا وَرَبُّهُمْ، وَقُلُوبُنا وَقُلُوبُهُمْ بِيَدِكَ، وإنَّمَا يَغْلِبُهُمْ أنْتَ‏"‏‏.‏‏(15)


9/508 وروينا في الحديث الذي قدّمناه عن كتاب ابن السني، عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏كنّا مع النبيِّ صلى اللّه عليه وسلم في غزوةٍ فلقيَ العَدُوَّ، فسمعتُه يقول‏:‏ ‏"‏يا مالكَ يَوْمِ الدّينِ، إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏"‏ فلقد رأيتُ الرِّجالَ تُصرَع تضربُها الملائكةُ من بين أيديها ومن خلفها‏.(16)


وروى الإِمام الشافعي رحمه اللّه في ‏"‏الأمّ‏"‏ (17)‏ بإسناد مُرسل،


عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏اطْلُبُوا اسْتِجابَةَ الدُّعاءِ عِنْدَ الْتِقاءِ الجُيُوشِ، وإقامَةِ الصَّلاةِ، وَنُزُولِ الغَيْثِ‏"‏‏.‏


قلت‏:‏ ويستحبّ استحباباً متأكداً أن يقرأ ما تيسر له من القرآن، وأن يقول دعاء الكرب الذي قدَّمنا ذكره، وأنه في الصحيحين (18) ‏"‏لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ العَظيمُ الحَليمُ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظيمِ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ‏"‏‏.‏


ويقول ما قدَّمناه هناك في الحديث الآخَر ‏"‏لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الحَلِيمُ الكَريمُ، سُبْحان اللَّهِ رَبّ السَّمَوَاتِ السَّبْع وَرَبّ العَرْشِ العَظيم، لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ عَزَّ جارُكَ وَجَلَّ ثَناؤُكَ‏"‏‏.‏


ويقول‏:‏ ما قدَّمناه في الحديث الآخر ‏"‏حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ‏"‏‏.‏


ويقول‏:‏ ‏"‏لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللّه العَزيزِ الحَكيم، ما شاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ باللّه، اعْتَصَمْنا باللّه، اسْتَعَنَّا باللّه، تَوَكَّلْنا على اللّه‏"‏‏.‏


ويقول‏:‏ ‏"‏حَصَّنْتُنا كُلَّنا أجْمَعِينَ بالحَيّ القَيُّومِ الَّذي لا يَمُوتُ أَبَدَاً، وَدَفَعْتُ عَنَّا السُّوءَ بلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ العَليّ العَظيمِ‏"‏‏.‏


ويقول‏:‏ ‏"‏يا قَدِيمَ الإِحْسانِ‏!‏ يا مَنْ إحْسانُهُ فَوْقَ كُلّ إِحْسان‏!‏ يا مالِكَ الدُّنْيا والآخِرَةِ‏!‏ يا حَيّ يا قَيُّومَ‏!‏ يا ذَا الجَلالِ والإِكْرَامِ‏!‏ يا مَنْ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلا يَتَعاظَمُهُ‏!‏ انْصُرْنا على أعْدَائنا هَؤُلاءِ وَغَيْرِهِمْ، وأظْهِرْنا عَلَيْهِمْ فِي عافِيَةٍ وَسلامَةٍ عامَّة عاجلاً‏"‏ فكلُّ هذه المذكورات جاء فيها حثٌّ أكيد، وهي مجرَّبة‏.‏


بابُ النّهي عن رفعِ الصَّوْتِ عِندَ القِتال لغير حَاجة‏.‏


1/509 روينا في سنن أبي داود، عن قيس بن عُبادٍ التابعي رحمه اللّه ـ وهو بضم العين وتخفيف الباء ـ قال‏:‏ كانَ أصحابُ رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يَكرهون الصوْتَ عندَ القتال‏.‏ ‏(19)


بابُ قولِ الرجلِ في حَال القتالِ أنا فلانٌ لإِرعابِ عدّوه‏.‏


1/510 روينا في صحيحي البخاري ومسلم‏,‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يَوْمََ حُنين‏:‏ ‏"‏أنا النَّبيُّ لا كَذِب، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلب‏"‏‏.‏(20)


2/511 وروينا في صحيحيهما، عن سلمة بن الأكوع‏:‏ أن عليّاً رضي اللّه عنهما لما بارز مرحباً الخيبري قال عليّ رضي اللّه عنه‏:‏ أنا الَّذي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَة‏.‏ (21)


3/512 وروينا في صحيحيهما، عن سلمة أيضاً أنه قال في حال قتاله الذين أغاروا على اللقاح‏:‏ أنا ابن الأكوع، واليومُ يومُ الرُّضَّع‏.‏ (22)


بابُ استحبابِ الرَّجَزِ حالَ المبارزة‏.‏


فيه الأحاديث المتقدمة في الباب الذي قبل هذا‏.‏


1/513 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما أنه قال له رجل‏:‏ أفررتم يوم حُنين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏؟‏ فقال البراء‏:‏ لكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يفرّ، لقد رأيته وهو على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ، أنا ابْنُ عَبْد المُطَّلِبْ‏"‏ وفي رواية ‏"‏فنزلَ ودعا واستنصرَ‏"‏‏.‏‏(23)


2/514 وروينا في صحيحيهما، عن البراء أيضاً قال‏:‏ رأيتُ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ينقلُ معنا التراب يومَ الأحزاب، وقد وارى الترابُ بياضَ بطنه وهو يقول‏:‏


‏"‏اللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا * وَلا تَصَدََّقْنا وَلا صَلَّيْنا


فأنْزِلَننْ سَكِينَةً عَلَيْنا * وَثَبِّتِ الأقْدَام إنْ لاقَيْنا ‏"‏


إنَّ الأُلى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنا * إذَا أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنا‏"‏‏(24)(‏ البخاري ‏(‏4106‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1803‏)‏ ، وهو في ‏ ‏عمل اليوم والليلة‏ ‏ للنسائي برقم ‏(‏533‏)‏ "(‏ البخاري ‏(‏4106‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1803‏)‏ ، وهو في ‏ ‏عمل اليوم والليلة‏ ‏ للنسائي برقم ‏(‏533‏)‏ "(‏ البخاري ‏(‏4106‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1803‏)‏ ، وهو في ‏ ‏عمل اليوم والليلة‏ ‏ للنسائي برقم ‏(‏533‏)‏ "(‏ البخاري ‏(‏4106‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1803‏)‏ ، وهو في ‏ ‏عمل اليوم والليلة‏ ‏ للنسائي برقم ‏(‏533‏)‏"(‏ البخاري ‏(‏4106‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1803‏)‏ ، وهو في ‏"‏عمل اليوم والليلة‏"‏ للنسائي برقم ‏(‏533‏)‏


3/515 وروينا في صحيح البخاري، عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق وينقلون التراب على مُتُونهم ـ أي ظهورهم ـ ويقولون‏:‏ نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّداً، على الإِسْلام، وفي رواية‏:‏ على الجِهادِ ما بَقِينا أبَداً، والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم يجيبهم ‏"‏اللَّهُمَّ إنَّهُ لا خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ، فَبارِكْ في الأنْصَارِ والمُهاجِرَة‏"‏‏.‏(25)


باب استحباب إظهار الصَّبرِ والقوّة لمن جُرِحَ واستبشاره بما حصل له من الجرح في سبيل اللّه وبما يصير إليه من الشهادة، وإظهار السرور بذلك وأنَّه لا ضير علينا في ذلك بل هذا مطلوبُنا وهو نهايةُ أملِنا وغايةُ سؤلِنا‏.‏


قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالَّذِين لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أنْ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لايُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ‏.‏ الَّذينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أصَابَهُمْ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنْهُم وَاتَّقَوْا أجْرٌ عظِيمٌ‏.‏ الَّذِين قالَ لَهُم النَّاسُ إنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُم فاخشَوْهُم فَزَادَهُمْ إيمَاناً وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوكِيلُ‏.‏ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، واتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ، واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 169 ـ172‏]‏‏.‏


1/516 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي اللّه عنه في حديث القرّاء أهل بئر مَعُونة الذين غدرتِ الكفّارُ بهم فقتلوهم‏:‏ أن رجلاً من الكفار طعنَ خالَ أنس وهو حَرَام بن مِلحان، فأنفذه، فقال حَرام‏:‏ اللّه أكبر فُزْتُ وربّ الكعبة‏.‏ وسقط في رواية مسلم ‏"‏اللّه أكبر‏"‏‏(26) قلتُ‏:‏ حَرَام بفتح الحاء والراء‏.‏


بابُ ما يقولُ إذا ظَهَر المسلمون وغلبُوا عدوَّهم‏.‏


ينبغي أن يُكثرَ عند ذلك من شكر اللّه تعالى، والثناء عليه، والاعتراف بأن ذلك من فضله لا بحولنا وقوتنا، وأن النصرَ من عند اللّه، وليحذروا من الإِعجاب بالكثرة فإِنه يُخاف منها التعجيز؛ كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏25‏]‏‏.‏


باب ما يقول إذا رأى هزيمةً في المسلمين والعياذُ باللّه الكريم‏.‏


يُستحبّ إذا رأى ذلك أن يفزعَ إلى ذكر اللّه تعالى واستغفاره ودعائه، واستنجاز ما وعدَ المؤمنين من نصرهم وإظهار دينه، وأن يدعوَ بدعاء الكرْب المتقدم‏:‏ ‏"‏لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ‏"‏‏.‏


ويُستحبّ أن يدعو بغيره من الدعوات المذكورة المتقدمة والتي ستأتي في مواطن الخوف والهلكة‏.‏ وقد قدّمنا في باب الرجز الذي قبل هذا؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رأى هزيمة المسلمين، نزل واستنصر ودعا‏.‏ وكان عاقبة ذلك النصر ‏{‏لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ‏}‏‏[‏الأحزاب‏:‏ 21‏]‏‏.‏


1/517 وروينا في صحيح البخاري، عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ لما كان يوم أُحُد وانكشف المسلمون، قال عمِّي أنس بن النضر‏:‏ اللَّهُمّ إني أعتذرُ إليكَ مما صَنَعَ هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ ثم تقدََّم فقاتلَ حتى استُشهد، فوجدنَا به بضعاً وثمانينَ ضربةً بالسيف أو طعنةً برمح أو رميةً بسهم‏.‏ ‏(27)


بابُ ثناءِ الإِمام على من ظَهَرَتْ منه براعةٌ في القتال‏.‏


1/518 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن سلمةَ بن الأكوع رضي اللّه عنه في حديثه الطويل في قصة إغارة الكفار على سرح المدينة وأخذهم اللقاح وذهاب سلمة وأبي قتادة في أثرهم، فذكرَ الحديثَ إلى أن قال‏:‏ قال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كانَ خَيْرَ فُرْسانِنا اليَوْمَ أبُو قَتادَةَ وَخَيْرَ رَجَّالَتِنا سَلَمَةُ‏"‏‏.‏‏(28)


بابُ ما يقولُه إذا رجع مِن الغَزْو


فيه أحاديثُ ستأتي إن شاء اللّه تعالى في كتابِ أذْكَارِ المُسَافر، وباللّه التوفيق‏.‏



كتاب أذكار المسافر
اعلم أن الأذكار التي تُستحبُّ للحاضر في الليل والنهار واختلاف الأحوال وغير ذلك مما تقدم تُستحبّ للمسافر أيضاً، ويَزيدُ المسافرُ بأذكار فهي المقصودةُ بهذا الباب، وهي كثيرةٌ منتشرة جداً، وأنا أختصرُ مقاصدها إن شاء اللّه تعالى، وأُبوِّبُ لها أبواباً تناسبها، مستعيناً باللّه، متوكلاً عليه‏.‏


بابُ الاستخارة والاستشارة
اعلم أنه يُستحبّ لمن خطرَ بباله السفرُ أن يُشاورَ فيه مَن يعلمُ من حاله النصيحة والشفقة والخبرة ويثقُ بدينه ومعرفته، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏159‏]‏ ودلائلُه كثيرة، وإذا شاورَ وظهرَ أنه مصلحةٌ استخارَ اللّه سبحانه وتعالى في ذلك، فصلَّى ركعتين من غير الفريضة ودعا بدعاء الاستخارة الذي قدَّمناه في بابه‏.‏ ودليلُ الاستخارة الحديث المتقدِّم عن صحيح البخاري (1)‏ ، وقد قدَّمنا هناك آداب هذا الدعاء وصفة هذه الصلاة، واللّه أعلم‏.‏

بابُ أذكارِه بعدَ استقرارِ عزمِه على السَّفر‏.‏

فإذا استقرَّ عزمُه على السفر فليجتهدْ في تحصيل أمور منها‏:‏ أن يوصي بما يحتاج إلى الوصية به، وليُشهدْ على وصيته، ويستحلّ كلَّ من بينه وبينه معاملة في شيء، أو مصاحبة، ويسترضي والديه وشيوخه ومن يُندب إلى برّه واستعطافه، ويتوبُ إلى اللّه ويستغفره من جميع الذنوب والمخالفات، وليطلبْ من اللّه تعالى المعونةَ على سفره، وليجتهدْ على تعلّم ما يحتاج إليه في سفره‏.‏ فإن كان غازياً تَعَلَّمَ ما يَحتاج إليه الغازي من أمور القتال والدعوات وأمور الغنائم، وتعظيم تحريم الهزيمة في القتال وغير ذلك‏.‏

وإن كان حاجّاً أو معتمراً تعلَّمَ مناسكَ الحجّ أو استصحبَ معه كتاباً بذلك، ولو تعلَّمها واستصحبَ كتاباً كان أفضل‏.‏ وكذلك الغازي وغيره، ويُستحبّ أن يستصحبَ كتاباً فيه ما يحتاج إليه‏.‏

وإن كان تاجراً تعلَّم ما يحتاج إليه من أمور البيوع ما يصحّ منها وما يَبطل، وما يحلّ وما يَحرم، ويُستحبّ ويكره ويباح، وما يَرجحُ على غيره‏.‏ وإن كان متعبِّداً سائحاً معتزلاً للناس، تعلَّم ما يحتاج إليه في أمور دينه، فهذا أهمّ ما ينبغي له أن يطلبه‏.‏ وإن كان ممّن يصيدُ تعلَّم ما يحتاج إليه أهلُ الصيد، وما يحلّ من الحيوان وما يَحرمُ، وما يحلُّ به الصيد وما يَحرم، وما يشترط ذكاتُه، وما يكفي فيه قتل الكلب أو السهم وغير ذلك‏.‏

وإن كان راعياً تعلَّم ما يحتاج إليه مما قدَّمناه في حقّ غيره ممّن يعتزل الناس، وتعلَّم ما يحتاج إليه من الرفقِ بالدّوابّ وطلب النصيحة لها ولأهلها، والاعتناء بحفظها والتيقّظِ لذلك، واستأذنَ أهلَها في ذبح ما يحتاجُ إلى ذبحه في بعض الأوقات لعارض وغير ذلك‏.‏

وإن كان رسولاً من سلطان إلى سلطان أو نحوه اهتمَّ بتعلّم ما يحتاج إليه من آداب مخاطبات الكبار، وجوابات ما يَعرض في المحاورات وما يحلُّ له من الضيافات والهدايا وما لا يَحلّ، وما يَجب عليه من مراعاة النصيحة وإظهار ما يُبطنه وعدم الغشّ والخِداع والنفاق، والحذر من التسبّب إلى مقدمات الغدر أو غيره مما يحرم وغير ذلك‏.‏

وإن كان وكيلاً أو عاملاً في قراض أو نحوه تعلَّم ما يَحتاج إليه مما يَجوز أن يشتريه وما لا يجوز، وما يَجوز أن يبيعَ به وما لا يجوز، وما يجوز التصرّف فيه وما لا يجوز، وما يُشترط الإِشهاد فيه وما يجب وما يشترط فيه ولا يجب، وما يجوز له من الأسفار وما لا يجوز‏.‏

وعلى جميع المذكورين أن يتعلَّم مَن أراد منهم ركوبَ البحر الحالَ التي يجوز فيها ركوبَ البحر، والحال التي لا يجوز، وهذا كلُّه مذكور في كتب الفقه لا يليق بهذا الكتاب استقصاؤه، وإنما غرضي هنا بيانُ الأذكار خاصة، وهذا التعلّم المذكور من جملة الأذكار كما قدَّمْته في أول هذا الكتاب، وأسألُ اللّه التوفيقَ وخاتمة الخير لي ولأحبائي والمسلمين أجمعين‏.‏

بابُ أذكارِه عندَ إرادتِه الخروجَ من بيتِه‏.‏

يُستحبّ له عند إرادتِه الخروجَ أن يصلِّي ركعتين ‏:‏

1/519 لحديث المُطْعِم ‏(2)(‏في الأصل ‏ ‏المقطم‏ ‏ قال الحافظ‏:‏ هو سهوٌ نشأ عن تصحيف إنما هو المُطْعِم، بسكون الطاء وكسر العين‏.‏ الفتوحات الربانية 5/105‏)‏ بن المقدام الصنعاني ‏(‏في الأصل ‏ ‏الصحابي‏ ‏ قال الحافظ، إنما هو الصنعاني، نسبة إلى صنعاء دمشق، وقيل‏:‏ بل إلى صنعاء اليمن، ثم تحوّل إلى الشام‏.‏ وكان في عصر صغار الصحابة، ولم يثبت له سماع من صحابي، بل أرسله عن بعضهم، وجلّ روايته عن التابعين؛ كمجاهد والحسن‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ "(‏في الأصل ‏ ‏المقطم‏ ‏ قال الحافظ‏:‏ هو سهوٌ نشأ عن تصحيف إنما هو المُطْعِم، بسكون الطاء وكسر العين‏.‏ الفتوحات الربانية 5/105‏)‏ بن المقدام الصنعاني ‏(‏في الأصل ‏ ‏الصحابي‏ ‏ قال الحافظ، إنما هو الصنعاني، نسبة إلى صنعاء دمشق، وقيل‏:‏ بل إلى صنعاء اليمن، ثم تحوّل إلى الشام‏.‏ وكان في عصر صغار الصحابة، ولم يثبت له سماع من صحابي، بل أرسله عن بعضهم، وجلّ روايته عن التابعين؛ كمجاهد والحسن‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ "(‏في الأصل ‏ ‏المقطم‏ ‏ قال الحافظ‏:‏ هو سهوٌ نشأ عن تصحيف إنما هو المُطْعِم، بسكون الطاء وكسر العين‏.‏ الفتوحات الربانية 5/105‏)‏ بن المقدام الصنعاني ‏(‏في الأصل ‏ ‏الصحابي‏ ‏ قال الحافظ، إنما هو الصنعاني، نسبة إلى صنعاء دمشق، وقيل‏:‏ بل إلى صنعاء اليمن، ثم تحوّل إلى الشام‏.‏ وكان في عصر صغار الصحابة، ولم يثبت له سماع من صحابي، بل أرسله عن بعضهم، وجلّ روايته عن التابعين؛ كمجاهد والحسن‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ " رضي اللّه عنه

أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ما خَلَّفَ أحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أفْضَلَ منْ رَكْعَتَيْنِ يَرْكَعُهُما عنْدَهُمْ حينَ يُرِيدُ سَفَراً‏"‏ رواه الطبراني‏.‏ قال بعض أصحابنا‏:‏ يُستحبّ أن يقرأ في الأولى منهما بعد الفاتحة ‏{‏قُلْ يا أيُّهَا الكافِرُونَ‏}‏ وفي الثانية‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ‏}‏‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ يَقرأ في الأولى بعد الفاتحة ‏{‏قُلْ أعُوذُ بِرَبّ الفَلَقِ‏}‏ وفي الثانية ‏{‏قُلْ أعُوذُ بِرَبّ النَّاسِ‏}‏‏.‏ فإذَا سلَّم قرأ آيةَ الكرسي، فقد جاء‏:‏ أن من قرأ آية الكرسي قبلَ خروجهِ من منزلِه لم يصبْه شيءٌ يكرهُه حتى يَرجع (3)‏ ‏.‏ ويُستحبّ أن يقرأ سورة ‏{‏لإِيلافِ قُرَيْشٍ‏}‏ فقد قال الإِمام السيد الجليل أبو الحسن القزويني، الفقيه الشافعي، صاحب الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، والمعارف المتظاهرة‏:‏ إنه أمان من كل سوء‏.‏ قال أبو طاهر بن جحشويه‏:‏ أردتُ سفراً وكنتُ خائفاً منه فدخلتُ إلى القزويني أسألُه الدعاءَ، فقال لي ابتداءً من قِبَل نفسه‏:‏ مَن أرادَ سفراً ففزِعَ من عدوّ أو وحش فليقرأ ‏{‏لإِيلافِ قُرَيْشٍ‏}‏ فإنها أمانٌ من كلّ سوء، فقرأتُها فلم يعرض لي عارض حتى الآن‏.‏ ويستحبّ إذا فرغ من هذه القراءة أن يدعو بإِخلاص ورقّة‏.‏ ومن أحسن ما يقول‏:‏ اللَّهُمَّ بِكَ أسْتَعِينُ وَعَلَيْكَ أتَوَكَّلُ؛ اللَّهُمَّ ذَلِّلْ لي صعُوبَةَ أمْرِي، وَسَهِّلْ عَليَّ مَشَقَّةَ سَفَرِي، وَارْزُقْنِي مِنَ الخَيْرِ أكْثَرَ مِمَّا أطْلُبُ، وَاصْرِفْ عَنِّي كُلَّ شَرٍّ‏.‏ رَبّ اشْرَحْ لي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أمْرِي، اللَّهُمَّ إني أسْتَحْفِظُكَ وأسْتَوْدِعُكَ نَفْسِي وَدِينِي وأهْلِي وأقارِبي وكُلَّ ما أنْعَمْتَ عَليَّ وَعَليْهِمْ بِهِ مِنْ آخِرَةٍ وَدُنْيا، فاحْفَظْنَا أجمعَينَ مِنْ كُلّ سُوءٍ يا كَرِيمُ‏.‏ ويفتتح دعاءَه ويختمه بالتحميد للّه تعالى، والصَّلاة والسلام على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ وإذا نهضَ من جلوسه فليقلْ‏:‏ ‏(4)

2/520 ما رويناه عن أنس رضي اللّه عنه‏:‏أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يرد سفراً إلا قال حين ينهض من جلوسه‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ إِلَيْكَ تَوَجَّهْتُ، وَبِكَ اعْتَصَمْتُ؛ اللَّهُمَّ اكْفني ما هَمَّني وَمَا لا أَهْتَمُّ لَهُ، اللَّهُمَّ زَوِّدْنِي التَّقْوَى، وَاغْفِرْ لي ذَنْبِي وَوَجِّهْنِي لِلْخَيْرِ أيْنَمَا تَوَجَّهْتُ‏"‏‏.‏‏(5)

بابُ أذْكَارِه إذا خَرَج‏.‏َ

قد تقدَّمَ في أول الكتاب ما يقولُه الخارجُ من بيته، وهو مُستحبٌّ للمسافر، ويُستحبُّ له الإِكثار منه، ويُستحبّ أن يودّع أهله وأقاربَه وأصحابَه وجيرانه، ويسألهم الدعاء له ويدعو لهم‏.‏

1/521 وروينا في مسند الإِمام أحمد بن حنبل وغيره، عن ابن عمر رضي اللّه عنهماعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏إنَّ اللّه تَعالى إذا اسْتُودِعَ شَيْئاً حَفِظَهُ‏"‏‏.‏‏(6)

2/522 وروينا في كتاب ابن السني وغيره، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه،عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ أَرَادَ أنْ يُسافِرَ فَلْيَقُلْ لِمَنْ يُخَلِّفُ‏:‏ أسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ الَّذي لا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ‏"‏‏.‏(7)

3/523 وروينا عن أبي هريرة أيضاً،عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا أرَاد أحَدُكُم سَفَراً فَلْيُوَدّعْ إخْوَانَهُ، فإنَّ اللَّهَ تَعالى جاعِلٌ فِي دُعائِهِمْ خَيْراً‏"‏‏.‏

والسنَّة أن يقول له مَن يودّعه‏:‏

4/524 ما رويناه في سنن أبي داود، عن قزعة قال‏:‏قال لي ابن عمرَ رضي اللّه عنهما‏:‏ تعالى أُودّعك كما ودّعني رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ‏"‏‏.‏‏(8)

قال الإِمام الخطابي‏:‏ الأمانة هنا‏:‏ أهله ومن يخلفه ومالُه الذي عند أمينه‏.‏ قال‏:‏ وذكر الدِّين هنا لأن السفر مظنّة المشقة، فربما كان سبباً لإِهمال بعض أمور الدين‏.‏ قلتُ‏:‏ قَزعة بفتح الزاي وإسكانها‏.‏

5/525 ورويناه في كتاب الترمذي أيضاً عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إذا ودّع رجلاً أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو الذي يدعُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ويقولُ‏:‏ ‏"‏أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وآخِرَ عَمَلِكَ‏"‏‏.‏‏(9)

6/526 ورويناه أيضاً في كتاب الترمذي عن سالم؛أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفراً‏:‏ ادْنُ منّي أُودّعك كما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يودّعنا، فيقول‏:‏ ‏"‏أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وأمانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏ ‏(10)

7/527 وروينا في سنن أبي داود وغيره، بالإِسناد الصحيح، عن عبد اللّه بن زيد الخَطْمِيّ الصحابي رضي اللّه عنه قال‏:‏كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إذا أراد أن يودّع الجيش قال‏:‏ ‏"‏أسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وأمانَتَكُمْ وَخَوَاتِيمَ أعْمالِكُمْ‏"‏‏.‏(11)

8/528 وروينا في كتاب الترمذي، عن أنس رضي اللّه قال‏:‏جاء رجل إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ يارسول اللّه إني أُريد سفراً فزوّدني، فقال‏:‏ ‏"‏زَوّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى‏"‏ قال‏:‏ زِدني، قال‏:‏ ‏"‏وَغَفَرَ ذَنْبَكَ‏"‏ قال‏:‏ زدني، قال‏:‏ ‏"‏وَيَسَّرَ لَكَ الخَيْرَ حَيْثُما كُنْتَ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ (12)

بابُ اسْتحبابِ طَلبهِ الوصيّةَ من أهلِ الخَيْرِ

1/529 روينا في كتاب الترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رجلاً قال‏:‏ يا رسولَ اللّه‏!‏ إني أُريد أنْ أسافرَ فأوصني، قال‏:‏ ‏"‏عَلَيْكَ بتَقْوَى اللَّهِ تَعالى، وَالتَّكْبِيرِ على كُلّ شَرَفٍ، فلما ولَّى الرجلُ قال‏:‏ اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ البَعِيدَ، وهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ (13)

بابُ استحباب وصيّة المُقيم المسافرَ بالدعاء له في مواطن الخير ولو كان المقيم أفضل من المسافر

1/530 روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، عن عمرَ بن الخطاب رضي اللّه عنه قال‏:‏استأذنتُ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في العمرة، فأذِنَ وقال‏:‏ ‏"‏لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ مِن دُعائِكَ‏"‏ فقال كلمةً ما يسرُّني أنَّ لي بها الدنيا‏.‏ وفي رواية قال‏:‏ ‏"‏أشْرِكْنا يا أخِي في دُعائِكَ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ (14)

بابُ ما يقولُه إذا ركبَ دابّتَه

قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ وَالأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَووا على ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذي سَخَّرَ لَنا هَذََا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ، وَإنَّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ‏}‏‏ (15) ‏[‏الزخرف‏:‏12ـ14‏]‏

1/531 وروينا في كتب أبي داود والترمذي والنسائي، بالأسانيد الصحيحة،عن عليّ بن ربيعة قال‏:‏ شهدتُ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه أُتي بدابّة ليركَبها، فلما وضعََ رجلَه في الرِّكاب قال‏:‏ بِاسْمِ اللّه، فلما استوى على ظهرها قال ‏{‏الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ‏}‏ ثم قال‏:‏ الحَمْدُ لِلَّهِ ثلاث مرات، ثم قال‏:‏ اللَّهُ أكْبَرُ ثلاث مرات، ثم قال‏:‏ سُبْحانَك إني ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لي، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، ثم ضَحِكَ‏!‏ فقيل‏:‏ يا أمير المؤمنين‏,‏ من أيّ شيء ضحكت‏؟‏ قال‏:‏ رأيتُ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فعل مثلَ ما فعلتُ ثم ضَحِكَ‏!‏ فقلتُ‏:‏ يا رسولَ اللّه‏,‏ من أيّ شيء ضحكت‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏إنَّ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إذَا قالَ‏:‏ اغْفِرْ لي ذُنُوبي، يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي‏"‏ هذا لفظ رواية أبي داود‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ وفي بعض النسخ‏:‏ حسن صحيح‏.‏ (16)

2/532 وروينا في صحيح مسلم في كتاب المناسك، عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما؛أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبَّر ثلاثاً، ثم قال‏:‏ ‏"‏سُبْحانَ الَّذي سَخَّرَ لَنا هَذَا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنينَ، وَإِنَّا إلى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ‏.‏ اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ فِي سفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ العَمَلِ ما تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوّن عَلَيْنا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنّا بُعْدَهُ‏.‏ اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ في الأهْلِ‏.‏ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ وكآبَةِ المَنْظَرِ وَسُوءِ المُنْقَلَبِ في المَالِ والأهْلِ‏.‏ وإذا رَجع قالهنّ وزاد فيهنّ‏:‏ آيِبُونَ تائبُونَ عابدُونَ لرَبِّنَا حامِدُون‏"‏ هذا لفظ رواية مسلم‏.‏ زاد أبو داود ‏(17)

3/533 وروينا في صحيح مسلم، عن عبد اللّه بن سَرْجِسَ رضي اللّه عنه قال‏:‏كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سافر يتعوّذ من وَعْثَاءِ السفر، وكآبة المنقلب، والحَوْرِ بعد الكَوْن، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال‏.‏ (18)

4/534 وروينا في كتاب الترمذي وكتاب النسائي وكتاب ابن ماجه، بالأسانيد الصحيحة، عن عبد اللّه بن سَرْجِس رضي اللّه عنه قال‏:‏كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إذا سافر يقول‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ أنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالخَلِيفَةُ فِي الأهْلِ؛ اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثاءِ السَّفَرِ وكآبَةِ المُنْقَلَبِ، وَمِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ، وَمِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ، وَمِنْ سُوءِ المَنْظَرِ فِي الأهْلِ وَالمَالِ‏"‏‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ قال‏:‏ ويروى‏:‏ الحور بعد الكوْر أيضاً‏(19)

قلت‏:‏ ورواية النون أكثر، وهي التي في أكثر أصول صحيح مسلم، بل هي المشهورة فيها‏.‏ والوَعْثاء بفتح الواو وإسكان العين وبالثاء المثلثة وبالمدّ‏:‏ هي الشِدّة‏.‏ والكآبة بفتح الكاف وبالمدّ‏:‏ هو تغيُّر النفس من حزن ونحوه‏,‏ المنقلب‏:‏ المرجع‏.‏

بابُ ما يَقولُ إذا رَكِبَ سفينةً

قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَقالَ ارْكَبُوا فيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْساها (20)‏(‏‏ ‏مَجْراها ومَرْساها‏ ‏ بفتح الميمين وضمّهما مع الإمالة وعدمها، مصدران؛ أي جريها ورسيها، أي منتهى سيرها‏) "‏(‏‏ ‏مَجْراها ومَرْساها‏ ‏ بفتح الميمين وضمّهما مع الإمالة وعدمها، مصدران؛ أي جريها ورسيها، أي منتهى سيرها‏) "‏(‏‏ ‏مَجْراها ومَرْساها‏ ‏ بفتح الميمين وضمّهما مع الإمالة وعدمها، مصدران؛ أي جريها ورسيها، أي منتهى سيرها‏) "‏(‏‏ ‏مَجْراها ومَرْساها‏ ‏ بفتح الميمين وضمّهما مع الإمالة وعدمها، مصدران؛ أي جريها ورسيها، أي منتهى سيرها‏) "‏(‏‏ ‏مَجْراها ومَرْساها‏ ‏ بفتح الميمين وضمّهما مع الإمالة وعدمها، مصدران؛ أي جريها ورسيها، أي منتهى سيرها‏) "‏ ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏41‏]‏ وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ وَالأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏12‏]‏ الآيتين‏.‏

1/535 وروينا في كتاب ابن السني، عن الحسين بن عليّ رضي اللّه عنهما قال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أمانٌ لأُمَّتِي مِنَ الغَرَقِ إذَا رَكِبُوا أنْ يَقُولُوا‏:‏ ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا ومُرْسَاها، إنَّ ربّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏41‏]‏ ‏{‏وَمَا قَدَرُوا اللّه حَقَّ قَدْرِهِ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏67‏]‏ الآية‏"‏ هكذا هو في النسخ ‏"‏إذا ركبوا‏"‏ لم يقل السفينة‏.‏ (21)

بابُ استحبابَ الدعاء في السفر

1/536 روينا في كتب أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجاباتٌ لا شَكَّ فِيهِنَّ‏:‏ دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ على وَلَدِهِ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن، وليس في رواية أبي داود ‏"‏على ولده‏"‏‏.‏‏(22)

باب تكبير المسافر إذا صعد الثَّنايا وشبهها وتسبيحه إذا هَبَطَ الأودية ونحوها

1/537 روينا في صحيح البخاري، عن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏كنّا إذا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وإذا نزلنا سبَّحنا‏.‏ (23)‏

2/358 وروينا في سنن أبي داود في الحديث الصحيح الذي قدَّمناه في باب ما يقولُ إذا ركبَ دابّته، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال‏:‏ كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وجيوشُه إذا عَلَوا الثنايا كبَّروا، وإذا هَبَطوا سبَّحُوا‏.‏ (24)

3/539 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال‏:‏كان النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم إذا قَفَل من الحجّ أو العمرة ـ قال الراوي‏:‏ ولا أعلمه إلا قال‏:‏ الغزو ـ كلما أوفى على ثنية أو فَدْفَدٍ كبَّرَ ثلاثاً ثم قال‏:‏ ‏"‏لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ عابِدُونَ، ساجِدُونَ لِرَبِّنا حامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ‏"‏ هذا لفظ رواية البخاري، ورواية مسلم مثله إلا أنه ليس فيها ‏"‏ولا أعلمه إلا قال الغزو‏"‏ وفيها ‏"‏إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحجّ أو العمرة‏"‏‏.‏(25)

قلت‏:‏ قوله‏:‏ أوفى‏:‏ أي ارتفع؛ وقوله‏:‏ فَدْفَد، هو بفتح الفاءين بينهما دال مهملة ساكنة وآخره دال أخرى‏:‏ وهو الغليظ المرتفع من الأرض؛ وقيل الفلاة التي لا شيء فيها؛ وقيل غليظ الأرض ذات الحصى؛ وقيل الجلد من الأرض في ارتفاع‏.‏

4/540 وروينا في صحيحيهما، عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال‏:‏كنّا مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، فكنّا إذا أشرفنا على وادٍ هلَّلنا وكبَّرْنا وارتفعتْ أصواتُنا، فقال النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا أيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا على أنْفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غائِباً، إنَّهُ مَعَكُمْ إنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ‏"‏‏.‏(26)

قلتُ‏:‏ أربَعُوا بفتح الباء الموحدة، معناه‏:‏ ارفقوا بأنفسكم‏.‏

وروينا في كتاب الترمذي الحديث المتقدم ‏(27) في باب استحباب طلبه الوصية أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللّه تَعالى، وَالتَّكْبِيرِ على كُلِّ شَرَفٍ‏"‏‏.‏

5/541 وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إذا علا شرفاً من الأرض قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ لكَ الشَّرَفُ على كُلِّ شَرَفٍ، وَلَكَ الحَمْد على كُلّ حالٍ‏"‏‏.(28)‏

بابُ النّهي عن المبالغةِ في رَفْعِ الصَّوْتِ بالتكبير ونحوه

فيه حديث أبي موسى في الباب المتقدم‏.‏

باب استحباب الحُدَاء للسرعة في السَّير وتنشيط النفوس وترويحها وتسهيل السَّير عليها

فيه أحاديث كثيرة مشهورة‏.‏

باب ما يقول إذا انفلتت دابّتُهُ

1/542 روينا في كتاب ابن السني، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه،عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذَا انْفَلَتَتْ دابَّةُ أحَدِكُمْ بأرْضِ فَلاةٍ فَلْيُنادِ‏:‏ يا عِبادَ اللّه‏!‏ احْبِسُوا، يا عِبادَ اللَّهِ‏!‏ احْبِسُوا، فإنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ في الأرْضِ حاصِراً سَيَحْبِسُهُ‏"‏‏(29)‏‏.‏ قلت‏:‏ حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه افلتت له دابّة أظنُّها بغلة، وكان يَعرفُ هذا الحديث، فقاله؛ فحبسَها اللّه عليهم في الحال‏.‏ وكنتُ أنا مرّةً مع جماعة، فانفلتت منها بهيمةٌ وعجزوا عنها، فقلته، فوقفت في الحال بغيرِ سببٍ سوى هذا الكلام‏.‏

بابُ ما يقولُهُ على الدَّابّةِ الصَّعْبَةِ

1/543 روينا في كتاب ابن السني، عن السيد الجليل المجمع على جلالته وحفظه وديانته وورعه ونزاهته وبراعته؛ أبي عبد اللّه يُونس بن عُبيد بن دينار البصري التابعي المشهور، رحمه اللّه قال‏:‏ ليس رجل يكونُ على دابةٍ صعبةٍ فيقولُ في أُذُنِها ‏{‏أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 83‏]‏ إلا وقفت بإذن اللّه تعالى‏.‏ (30)

بابُ ما يقولُه إذا رأَى قريةً يُريدُ دخولَها أولا يريده

1/544 روينا في سنن النسائي وكتاب ابن السني، عن صُهيب رضي اللّه عنه‏:‏أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لم يرَ قريةً يُريد دخولَها إلا قال حين يَراهَا‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ رَبَّ السمَوَاتِ السَّبْعِ وَما أظْلَلْنَ، وَالأَرْضيِن السَّبْعِ وَما أقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّياطينِ وَمَا أضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرّياحِ وَمَا ذَرَيْنَ، أسألُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أهْلِها وَخَيْرَ ما فيها، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ أهْلها وَشَرّ ما فِيها‏"‏‏.‏(31)

2/545 وروينا في كتاب ابن السني، عن عائشةَ رضي اللّه تعالى عنها قالت‏:‏كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أشرفَ على أرضٍ يُريد دخولَها قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ إني أسألُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ وَخَيْرِ ما جَمَعْتَ فِيها، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرّ ما جَمَعْتَ فِيها، اللَّهُمَّ ارْزُقْنا حَيَاها، وَأَعِذْنا مِنْ وَباهَا، وَحَبِّبْنا إلى أهْلِهَا، وَحَبِّبْ صَالِحي أهْلِها إِلَيْنا‏"‏‏.‏(32)

بابُ ما يَدعُو به إذا خافَ ناساً أو غيرَهم

1/546 روينا في سنن أبي داود والنسائي، بالإِسناد الصحيح، ما قدَّمناه من حديث أبي موسى الأشعري،أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا خافَ قوماً قال‏:‏‏"‏اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُك في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ‏"‏ ويُستحبّ أن يدعوَ معه بدعاء الكرب وغيره مما ذكرناه معه‏.‏ ‏(33)

بابُ ما يقولُ المسافرُ إذا تَغَوَّلَت الغِيلان

1/547 روينا في كتاب ابن السني، عن جابر رضي اللّه عنه؛أن النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذَا تَغَوَّلَتْ لَكُمُ الغِيلان فَنادُوا بالأذَان‏"‏‏.‏‏(34)

قلت‏:‏ والغِيْلاَنُ جنسٌ من الجنّ والشياطين وهم سَحَرَتُُهم؛ ومعنى تغوّلت‏:‏ تلوّنت في صور؛ والمراد ادفعوا شرّها بالأذان، فإن الشيطانَ إذا سمع الأذان أدبر‏.‏ وقد قدَّمنا ما يشبُه هذا في باب ما يقولُ إذا عرضَ له شيطان، في أوّل كتاب الأذكار والدعوات للأمور العارضات، وذكرنا أنه ينبغي أنه يشتغلَ بقراءة القرآن للآيات المذكورة في ذلك‏.‏

بابُ ما يَقولُ إذا نزلَ مَنزلاً

1/548 روينا في صحيح مسلم وموطأ مالك وكتاب الترمذي، وغيرها، عن خولةَ بنتِ حكيم رضي اللّه عنها قالت‏:‏سمعتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏مَنْ نَزَلَ مَنْزلاً ثُمَّ قالَ‏:‏ أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ، لَم يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذلكَ‏"‏‏.‏‏(35)

2/549 وروينا في سنن أبي داود وغيره، عن عبد اللّه بن عمر الخطاب رضي اللّه عنهما قال‏:‏كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سافَرَ فأقبلَ الليلُ قال‏:‏ ‏"‏يَا أرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أعُوذُ باللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرّ ما فِيكِ، وَشَرّ ما خُلِقِ فِيكِ، وَشَرّ ما يَدبُّ عَلَيْكِ؛ أعُوذُ بِكَ مِنْ أسَدٍ وأسْوَدَ، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ، وَمِنْ ساكِنِ البَلَدِ وَمِنْ وَالِدٍ وَما وَلَدَ‏"‏ (36)‏قال الخطابي‏:‏ قوله ‏"‏ساكن البلد‏"‏ هم الجنّ الذين هم سكان الأرض؛ والبلد من الأرض‏:‏ ما كان مأوى الحيوان وإن لم يكن فيه بناء ومنازل‏.‏ قال‏:‏ ويُحتمل أن يكون المراد بالوالد‏:‏ إبليس، وما ولد‏:‏ الشياطين، هذا كلام الخطابي، والأسود‏:‏ الشخص، فكل شخص يُسمى أسود‏.‏

بابُ ما يقولُ إذا رَجَعَ مِن سَفرِهِ

السنّة أن يقول ما قدّمناه في حديث ابن عمر المذكور قريباً في باب تكبير المسافر إذا صَعِدَ الثنايا‏.‏

1/550 وروينا في صحيح مسلم، عن أنس رضي اللّه عنه، قال‏:‏أقبلنا مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنا وأبو طلحة، وصفيّة رديفته على ناقته، حتى إذا كنّا بظهر المدينة قال‏:‏ ‏"‏آيِبُونَ تائِبُونَ عابِدُون لِرَبِّنا حامِدُونَ‏"‏ فلم يزلْ يقولُ ذلك حتى قَدِمْنَا المدينةَ‏.‏ (37)

بابُ ما يقولُه المسافرُ بعدَ صلاةِ الصُّبْح

اعلم أن المسافر يستحبّ له أن يقول ما يقوله غيره بعد الصبح، وقد تقدم بيانه (38)

1/551 ويُستحب له معه ما رويناه في كتاب ابن السني، عن أبي برزة رضي اللّه عنه قال‏:‏كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا صلّى الصبح ـ قال الراوي‏:‏ لا أعلم إلاّ قال في سفر ـ رفع صوته حتى يسمع أصحابه‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي ديني الَّذي جَعَلْتَهُ عِصْمَةَ أمْرِي، اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي دُنْيَايَ الَّتِي جَعَلْتَ فِيها مَعاشِي ـ ثلاثَ مرّات ـ اللَّهُمَّ أصْلِحْ لي آخِرَتِي التي جَعَلْتَ إِلَيْها مَرْجِعي ـ ثلاث مرات ـ اللَّهُمَّ أعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سُخْطِكَ؛ اللَّهُمَّ أعُوذُ بِكَ ـ ثلاثَ مرّات ـ لا مانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنكَ الجَدُّ‏"‏‏.‏‏(39)

باب ما يقول إذا رَأَى بلدتَه

المستحبُّ أن يقولَ ما قدَّمناه في حديث أنس في الباب الذي قبل هذا، وأن يقولَ ما قدَّمناهُ في باب ما يقولُ إذا رأى قرية، وأن يقول‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنا بِهَا قَرَاراً وَرِزْقاً حَسَناً‏"‏‏.‏ ‏(40)

بابُ ما يقولُ إذا قَدِمَ من سفرهِ فدخل بيتَه

1/552 روينا في كتاب ابن السني، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا رجع من سفره، فدخلَ على أهله قال‏:‏ ‏"‏تَوْباً تَوْباً لِرَبِّنا أوْباً، لا يُغادِرُ حَوْباً‏"‏‏.‏‏(41)

قلت‏:‏ توباً توباً‏:‏ سؤال للتوبة، وهو منصوب إما على تقدير‏:‏ تب علينا، وإما على تقدير نسألك توباً توباً؛ وأوباً بمعناه من آب إذا رجع‏.‏ ومعنى لا يغادر‏:‏ لا يترك؛ وحَوْباً معناه‏:‏ إثماً، وهو بفتح الحاء وضمّها لغتان‏.‏

بابُ ما يُقال لمن يَقْدَمُ من سفر

يستحبّ أن يُقال‏:‏ الحَمْد لِلَّهِ الَّذِي سَلَّمَكَ، أوِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَمَعَ الشَّمْلَ بِكَ، أو نحو ذلك، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ‏}‏‏[‏إبراهيم‏:‏7‏]‏ وفيه أيضاً حديث عائشة رضي اللّه عنها المذكور في الباب بعده‏.‏

بابُ ما يُقال لمن يَقْدَمُ من غزو

1/553 روينا في كتاب ابن السني، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزو، فلما دخل استقبلتُه فأخذتُ بيده، (42)‏(‏ابن السني ‏(‏537‏)‏ قال الحافظ‏:‏ وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود‏.‏‏) "‏(‏ابن السني ‏(‏537‏)‏ قال الحافظ‏:‏ وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود‏.‏‏) "‏(‏ابن السني ‏(‏537‏)‏ قال الحافظ‏:‏ وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود‏.‏‏) "‏(‏ابن السني ‏(‏537‏)‏ قال الحافظ‏:‏ وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود‏.‏‏) "‏(‏ابن السني ‏(‏537‏)‏ قال الحافظ‏:‏ وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود‏.‏‏) "‏فقلت‏:‏ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي نَصَرَكَ وأعَزَّكَ وأكْرَمَكَ‏.‏

بابُ ما يُقال لمن يَقْدَمُ من حَجّ وما يقولُه

1/554 روينا في كتاب ابن السني، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال‏:‏جاءَ غلامٌ إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ إني أُريدُ الحجّ، فمشى معه رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏يا غُلامُ‏!‏ زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى، وَوَجَّهَكَ في الخَيْرِ، وَكَفَاكَ الهَمَّ‏"‏ فلما رجع الغلام سلَّم على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏يا غُلامُ‏!‏ قَبِلَ اللَّهُ حَجَّكَ، وَغَفَرَ ذَنْبَكَ، وأخْلَفَ نَفَقَتَكَ‏"‏‏.‏(43)

2/555 وروينا في سنن البيهقي، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحاجّ وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الحاج‏"‏ قال الحاكم‏:‏ هو صحيحٌ على شرط مسلم‏.‏ (44)

كتاب أذكار الأكل والشّرب

بابُ ما يقولُ إذا قُرِّب إليه طعامُه

1/556 روينا في كتاب ابن السني، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما،

عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يقول في الطعام إذا قُرِّبَ إليه‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيما رَزَقْتَنا، وَقِنا عَذَابَ النَّارِ، باسم اللَّهِ‏"‏‏.‏(1)

بابُ استحباب قول صاحب الطعام لِضِيْفَانِه عندَ تقديم الطَّعام‏:‏ كُلوا، أو ما في مَعناه

اعلم أنه يُستحبّ لصاحِب الطعام أن يقولَ لضيفه عند تقديم الطعام‏:‏ باسم اللّه، أو كُلوا، أو الصَّلاة، أو نحو ذلك من العبارات المصرِّحة بالإِذن في الشروع في الأكل، ولا يجب هذا القول، بل يكفي تقديمُ الطعام إليهم، ولهم الأكل بمجرّد ذلك من غير اشتراط لفظ، وقال بعض أصحابنا‏:‏ لا بدّ من لفظ، والصوابُ الأوّل، وما ورد في الأحاديث الصحيحة من لفظ الإِذن في ذلك‏:‏ محمول على الاستحباب‏.‏

باب التسمية عند الأكلِ والشُّربِ

1/557 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عمر بن أبي سلمة رضي اللّه عنهما قال‏:‏

قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ‏"‏‏.‏‏(2)(‏البخاري ‏(‏5376‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2022‏)‏ ، والموطأ 2/934، وأبو داود ‏(‏3777‏)‏ ، والترمذي ‏(‏1858‏)‏ ، وابن ماجه ‏(‏3267‏)‏ ، والنسائي ‏(‏278‏)‏ ‏.‏ وتتمته‏:‏ ‏ ‏وكُلْ مما يليكَ‏ ‏‏.‏‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏5376‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2022‏)‏ ، والموطأ 2/934، وأبو داود ‏(‏3777‏)‏ ، والترمذي ‏(‏1858‏)‏ ، وابن ماجه ‏(‏3267‏)‏ ، والنسائي ‏(‏278‏)‏ ‏.‏ وتتمته‏:‏ ‏"‏وكُلْ مما يليكَ‏"‏‏.‏‏)‏

2/558 وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعالى في أوَّلِهِ، فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُر اسْمَ اللَّهِ تَعالى في أوَّلِهِ فَلْيَقُلْ‏:‏ باسم اللَّهِ أوَّلَهُ وآخِرَهُ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏(3)

3/559 وروينا في صحيح مسلم، عن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏ سمعتُ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِهِ وَعنْدَ طَعامِهِ، قالَ الشَّيْطانُ‏:‏ لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عنْدَ دُخُولِهِ قالَ الشَّيْطانُ‏:‏ أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى عِنْدَ طَعامِهِ قالَ‏:‏ أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالعَشاء‏"‏‏.‏‏(4)

4/560 وروينا في صحيح مسلم أيضاً، في حديث أنس المشتمل على معجزةٍ ظاهرةٍ من معجزاتِ رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمَّا دعاهُ أبو طلحةَ وأُمُّ سُليم للطعام، قال‏:‏ ثم قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ‏"‏ فأذن لهم، فدخلُوا فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ كُلُوا وسَمُّوا اللَّهَ تَعالى‏"‏ فأكلُوا حتى فعلَ ذلك بثمانين رجلاً‏.‏ ‏(5)

5/561 وروينا في صحيح مسلم أيضاً، عن حذيفة رضي اللّه عنه قال‏:‏ كنّا إذا حضرْنَا مع رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم طعاماً لم نضعْ أيدينا حتى يبدأ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيضعُ يدَه، وإنّا حضرنا معه مرّة طعاماً فجاءت جارية كأنها تُدفعُ، فذهبتْ لتضعَ يدَها في الطعام فأخذَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيدها، ثم جاءَ أعرابيٌّ كأنما يُدْفَعُ، فأخذَ بيدِه، فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنَّ الشَّيْطانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ اللّه عَلَيْه، وأنَّهُ جاءَ بهَذِهِ الجارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فأخَذْتُ بِيَدِها، فَجاءَ بهذا الأعْرابِيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فأخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِه إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ يَدِهِما‏"‏ ثم ذكر اسم اللّه تعالى وأكل‏.‏ (6)

6/562 وروينا في سنن أبي داود والنسائي، عن أميّة بن مَخْشِيٍّ الصحابي رضي اللّه عنه قال‏:‏

كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالساً ورجلٌ يأكلُ، فلم يُسمّ حتى لم يبقَ من طعامه إلا لقمة، فلما رفعها إلى فِيه قال‏:‏ باسم اللّه أوّله وآخرُه، فضحكَ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ثم قال‏:‏ ‏"‏ما زَالَ الشَّيْطانُ يأكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ ما في بَطْنِهِ‏"‏ ‏(7)‏قلتُ مَخْشِيّ، بفتح الميم وإسكان الخاء وكسر الشين المعجمتين وتشديد الياء؛ وهذا الحديث محمول على أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لم يعلمْ تركَه التسمية إلا في آخر أمره، إذ لو علم ذلك لم يسكتْ عن أمره بالتسمية‏.‏

7/563 وروينا في كتاب الترمذي، عن عائشةَ رضي اللّه عنها قالت‏:‏ كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأكلُ طعاماً في ستة من أصحابه، فجاء أعرابيٌّ فأكلَه بلقمتين، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أما إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفاكُمْ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ ‏(8)

8/564 وروينا، عن جابر رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ على طَعامِهِ، فَلْيَقْرأ‏:‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ إذَا فَرَغَ‏"‏‏.‏(9)

قلت‏:‏ أجمع العلماءُ على استحباب التسمية على الطعام في أوّلِه، فإن تركَ في أوله عامداً أو ناسياً أو مُكرهاً أو عاجزاً لعارض آخر ثم تمكن في أثناء أكلِه، استحبّ أن يسمّي للحديث المتقدم ويقول‏:‏ باسم اللّه أوله وآخره، كما جاء في الحديث‏.‏ والتسميةُ في شرب الماء واللبن والعسل والمرق وسائر المشروبات كالتسمية في الطعام في جميع ما ذكرناه‏.‏ قال العلماء من أصحابنا وغيرهم‏:‏ ويُستحبُّ أن يجهرَ بالتسمية ليكونَ فيه تنبيهٌ لغيره على التسمية وليُقتدى به في ذلك، واللّه أعلم‏.‏

بابُ لا يعيبُ الطعامَ والشرابَ

1/565 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ ما عابَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم طعاماً قطّ، إن اشتهاه أكلَه، وإن كرهَه تركَه‏.‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ وإن لم يشتهه سكت‏.‏ (10)

2/566 وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن هُلْب (11) الصحابي رضيَ اللّه عنه قال‏:‏ سمعتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسأله رجلٌ‏:‏ إن من الطعام طعاماً أتحرّجُ منه‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏لا يَتَحَلَّجَنَّ في صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ بِهِ النَّصْرانِيَّةَ‏"‏‏.‏(12)

قلتُ‏:‏ هُلْب بضمّ الهاء وإسكان اللام وبالباء الموحدة‏.‏ وقوله يَتَحَلَّجَنَّ، هو بالحاء المهملة قبل اللام والجيم بعدها، هكذا ضبطه الهروي والخطابي والجماهير من الأئمة، وكذا ضبطناه في أصول سماعنا سنن أبي داود وغيره بالحاء المهملة، وذكره أبو السعادات ابن الأثير بالمهملة أيضاً، ثم قال‏:‏ ويُروى بالخاء المعجمة، وهما بمعنى واحد‏.‏ قال الخطابي‏:‏ معناه لا يقع في ريبة منه‏.‏ قال‏:‏ وأصله من الحلج‏:‏ هو الحركة والاضطراب، ومنه حَلْجُ القطن‏.‏ قال‏:‏ ومعنى ضارعتَ النصرانية‏:‏ أي قاربتها في الشبه، فالمضارعة‏:‏ المقاربة في الشبه‏.‏

بابُ جواز قوله‏:‏ لا أشتهي هذا الطعام أو ما اعتدتُ أكله ونحو ذلك إذا دعت إليه حاجةٌ

1/567 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن خالد بن الوليد رضي اللّه عنه في حديث الضَّبِّ لما قدَّموه مشوياً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأهوى رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده إليه، فقالوا‏:‏ هو الضَّبُّ يا رسولَ اللّه‏!‏ فرفعَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدَه، فقال خالد‏:‏ أحرام الضَّبُّ يا رسول اللّه‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ ‏"‏لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمي فأجِدُنِي أعافُهُ‏"‏‏.‏‏(13)

بابُ مَدحِ الآكلِ الطعامَ الذي يأكلُ منه

1/568 روينا في صحيح مسلم، عن جابر رضي اللّه عنه؛ أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سألَ أهلَه الأُدْمَ، فقالوا‏:‏ ما عندنا إلاَّ خَلّ، فدعا به فجعلَ يأكلُ منه ويقول‏:‏ ‏"‏نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ، نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ‏"‏‏.‏‏(14)

بابُ ما يقولُه من حَضَرَ الطعامُ وهو صائمٌ إذا لم يُفطر

1/569 روينا في صحيح مسلم، عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فإنْ كانَ صَائِماً فلْيُصَلِّ، وَإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَطْعَمْ‏"‏ قال العلماء‏:‏ معنى فليصل‏:‏ أي فليدْعُ‏.‏ (15)

2/570 وروينا في كتاب ابن السني وغيره، قال فيه‏:‏ ‏"‏فإنْ كانَ مُفْطِراً فَلْيَأكُلْ، وَإنْ كَانَ صَائِماً دَعا لَهُ بالبَرَكَةِ‏"‏‏.‏‏(16)

بابُ ما يقولُه مَن دُعِي لطعامٍ إذا تَبِعَه غيرُه

1/571 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي مسعودٍ الأنصاري قال‏:‏ دعا رجلٌ النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم لطعامٍ صنعَه له خامسَ خمسةٍ، فتبعهُم رجلٌ، فلما بلغَ البابَ قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنا فإنْ شِئْتَ أَنْ تأذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ‏"‏ قال‏:‏ بل آذنُ له يا رسولَ اللّه‏!‏ ‏(17)

بابُ وَعْظِهِ وتأديبِهِ مَنْ يُسيءُ في أكلِه

1/572 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عمر بن أبي سلمةَ رضي اللّه عنهما قال‏:‏

كنتُ غلاماً في حِجْر رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكانتْ يدي تطيشُ في الصحفة، فقال لي رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا غُلامُ‏!‏ سَمّ اللّه تعالى، وكُلْ بِيَمينِكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ‏"‏ وفي رِوَاية في الصحيح قال‏:‏ أكلتُ يوماً مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجعلتُ آكلُ من نواحي الصحفة، فقال لي رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كُلْ مِمَّا يَلِيكَ‏"‏‏.‏ قُلت‏:‏ قولُه تطِيشُ، بكسر الطاء وبعدها ياء مثناة من تحت ساكنة، ومعناه‏:‏ تتحرّك وتمتدّ إلى نواحي الصحفة ولا تقتصرُ على موضع واحد‏.‏ (18)

2/573 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن جبلةَ بن سحيم قال‏:‏ أصابَنَا عامُ سَنةٍ مع ابن الزبير، فرزقنا، فكان عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما يمرّ بنا ونحن نأكلُ، ويقولُ‏:‏ لا تقارِنُوا، فإن النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم نهى عن الإِقران، ثم يقول‏:‏ إلاَّ أنْ يَسْتأذِنَ الرَّجُلُ أخاهُ‏.‏ ‏(19)

قلت‏:‏ قوله لا تقارنوا‏:‏ أي لا يأكل الرجل تمرتين في لقمة واحد‏.‏

3/574 وروينا في صحيح مسلم، عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه؛ أن رجلاً أكل عندَ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بشماله، فقال‏:‏ ‏"‏كُلْ بِيَمِيْنِكَ‏"‏ (20) ، قال‏:‏ لا أستطيعُ، قال‏:‏ ‏"‏لا اسْتَطَعْتَ‏"‏ ‏(21)‏ ، ما منعه إلا الكِبْر (22)‏ ، فما رفعها إلى فِيْه‏.‏ (23)

قلتُ‏:‏ هذا الرجل هو بُسر بضم الموحدة وبالسين المهملة‏:‏ ابن راعي العَير بالمثناة وفتح العين، وهو صحابي، وقد أوضحتُ حالَه، وشرح صحيح مسلم‏"‏ واللّه أعلم‏.‏

بابُ استحباب الكَلامِ على الطَّعام

فيه حديث جابر (24)‏ الذي قدَّمناه في باب مدح الطعام‏.‏ قال الإِمام أبو حامد الغزالي في ‏"‏الإِحياء‏"‏‏:‏ من آداب الطعام أن يتحدَّثوا في حال أكله بالمعروف، ويتحدّثوا بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها‏.‏

بابُ ما يقولُهُ ويفعلُه من يأكلُ ولا يَشبعُ

1/575 روينا في سنن أبي داود وابن ماجه، عن وحشيِّ بن حرب رضي اللّه عنه؛ أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا‏:‏ يا رسولَ اللّه‏!‏ إنّا نأكلُ ولا نشبعُ، قال‏:‏ ‏"‏فَلَعَلَّكُم تَفْتَرِقُونَ، قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فاجْتَمِعُوا على طَعامِكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فيه‏"‏‏.‏(25)

بابُ ما يقولُ إذا أكلَ مع صَاحبِ عَاهَةٍ

2/576 روينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن جابر رضي اللّه عنه؛ أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذَ بيدِ مجذومٍ فوضعَها معه في القَصعةِ، فقال‏:‏ ‏"‏كُلْ باسم اللَّهِ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلاً عَلَيْهِ‏"‏‏.‏(26)

بابُ استحباب قولِ صاحبِ الطَّعام لضيفهِ ومَنْ في معناهُ إذا رفع يده من الطعام ‏"‏كُلْ‏"‏ وتكريرُه ذلك عليه ما لم يتحقّقْ أنه اكتفى منه وكذلك يفعلُ في الشرابِ والطِّيبِ ونحو ذلك

اعلم أن هذا مُستحبّ، حتى يُستحبّ ذلك للرجل مع زوجته وغيرها من عيالِه، الذين يُتوهم منهم أنهم رفعوا أيديهم ولهم حاجةٌ إلى الطعام وإن قلَّت‏.‏

ومما يُستدّل به في ذلك‏:‏

1/577 ما رويناهُ في صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه في حديثه الطويل المشتمل على معجزاتٍ ظاهرةٍ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، لما اشتدّ جوعُ أبي هريرة وقعدَ على الطريق يستقرىءُ مَن مَرَّ به القرآن معرّضاً بأن يُضيفه، ثم بعثه رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أهل الصفّةِ فجاءَ بهم فأرْواهم أجمعينَ من قدحِ لبنٍ، وذكر الحديث إلى أن قال‏:‏ قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏بَقِيتُ أنا وَأنْتَ‏"‏ قلتُ‏:‏ صَدقتَ يا رسولَ اللّه‏!‏ قال‏:‏ ‏"‏اقْعُدْ فاشْرَبْ‏"‏ فقعدتُ فشربتُ، فقال‏:‏ ‏"‏اشْرَبْ‏"‏ فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ اشْرَبْ، حتى قلتُ‏:‏ لا، والذي بعثك بالحقّ لا أجد له مَسْلَكاً، قال‏:‏ فأرِني، فأعطيته القدحَ فحمد اللّه تعالى وسمَّى وشربَ الفضلةَ‏.‏ (27)

بابُ ما يقولُ إذا فَرَغَ من الطَّعامِ

1/578 روينا في صحيح البخاري، عن أبي أُمامةَ رضي اللّه عنه أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رفع مائدته قال‏:‏ ‏"‏الحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيراً طَيِّباً مُبارَكاً فِيهِ غَيْرَ مَكْفيٍّ وَلا مُوَدَّعٍ وَلا مُسْتَغْنىً عَنْهُ رَبَّنا‏"‏ وفي رواية ‏"‏كان إذا فَرَغَ من طعامِه‏"‏ وقال مرّة‏:‏ إذا رفع مائدته قال‏:‏ ‏"‏الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفانا وأرْوَانا غَيْرَ مَكْفِيّ ولا مَكْفُورٍ‏"‏‏.‏‏(28)

قلتُ‏:‏ مكْفيّ بفتح الميم وتشديد الياء، هذه الرواية الصحيحة الفصيحة، ورواه أكثر الرواة بالهمز وهو فاسد من حيث العربية، سواء كان من الكفاية أو من كفأت الإِناء، كما لا يقال في مقروء من القراءة‏:‏ مقرىء، ولا في مرمىْ بالهمز‏.‏ قال صاحب مطالع الأنوار في تفسير هذا الحديث‏:‏ المراد بهذا المذكور كله الطعام، وإليه يعود الضمير‏.‏ قال الحربيّ‏:‏ فالمكفيّ‏:‏ الإِناء المقلوب للاستغاء عنه كما قال ‏"‏غير مستغنى عنه‏"‏ أو لعدمه، وقوله غير مكفور‏:‏ أي غير مجحود نِعمَ اللّه سبحانه وتعالى فيه، بل مشكورة، غير مستور الاعتراف بها والحمد عليها‏.‏

وذهب الخطابي إلى أن المراد بهذا الدعاء كله البارى سبحانه وتعالى، وأن الضمير يعود إليه، وأن معنى قوله غير مكفيّ‏:‏ أنه يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ كأنه على هذا من الكفاية، وإلى هذا ذهب غيره في تفسير هذا الحديث‏:‏ أي إن اللّه تعالى مستغنٍ عن معين وظهير، قال‏:‏ وقوله لا مودّع‏:‏ أي غير متروك الطلب منه والرغبة إليه، وهو بمعنى المستغنى عنه، وينتصب ربنا على هذا بالاختصاص أو المدح أو بالنداء كأنه قال‏:‏ يا ربنا اسمع حمدنا ودعاءنا، ومن رفعه قطعه وجعله خبراً، وكذا قيده الأصيلي كأنه قال‏:‏ ذلك ربّنا‏:‏ أي أنت ربنا، ويصحّ فيه الكسر على البدل من الاسم في قوله الحمد للّه‏.‏

وذكر أبو السعادات ابن الأثير في نهاية الغريب نحو هذا الخلاف مختصراً‏.‏ وقال ومن رفع ربّنا فعلى الابتداء المؤخر‏:‏ أي ربنا غير مكفيّ ولا مودع، وعلى هذا يرفع غير‏.‏ قال‏:‏ ويجوز أن يكون الكلام راجعاً إلى الحمد كأنه قال‏:‏ حمداً كثيراً غير مكفي ولا مودّع ولا مستغنى عن هذا الحمد‏.‏ وقال في قوله ولا مودّع‏:‏ أي غير متروك الطاعة، وقيل هو من الوداع وإليه يرجع، واللّه أعلم‏.‏

2/579 وروينا في صحيح مسلم، عن أنس رضي اللّه عنه، قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنَّ اللّه تعالى لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ يأكُلُ الأكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْها، ويَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْها‏"‏‏.‏‏(29)

3/580 وروينا في سنن أبي داود وكتابي ‏"‏الجامع‏"‏ و‏"‏الشمائل‏"‏ للترمذي، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه؛

أن النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا فَرَغ من طعامه قال‏:‏ ‏"‏الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَنَا وَسَقانا وَجَعَلَنا مُسْلِمِينَ‏"‏‏.‏(30)

4/581 وروينا في سنن أبي داود والنسائي، بالإِسناد الصحيح، عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أكَلَ أو شَرِبَ قال‏:‏ ‏"‏الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجاً‏"‏‏.‏(31)

5/582 وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، عن معاذ بن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏

قال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ أكَلَ طَعاماً فَقالَ‏:‏ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ قال الترمذي‏:‏ وفي الاب ـ يعني باب الحمد على الطعام إذا فرغَ منه ـ عن عقبةَ بن عامر وأبي سعيد وعائشة وأبي أيوب وأبي هريرة‏.‏ (32)

6/583 وروينا في سنن النسائي وكتاب ابن السني، بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن جُبير التابعي؛

بأنه حدَّثه رجلٌ خدمَ النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم ثماني سنين أنه كان يسمعُ النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم إذا قَرَّبَ إليه طعاماً يقول‏:‏ ‏"‏باسم اللَّهِ‏"‏ فإذا فَرغَ من طعامه قال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ أطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأغْنَيْتَ وأقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وأحْسَنْتَ، فَلَكَ الحَمْدُ على ما أعْطَيْتَ‏"‏‏.‏‏(33)

7/584 وروينا في كتاب ابن السني، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما،

عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم؛ أنه كان يقول في الطعام إذا فرغَ‏:‏ ‏"‏الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي مَنَّ عَلَيْنا وَهَدَانا، وَالَّذي أشْبَعَنا وَأرْوَانا، وكُلَّ الإِحْسانِ آتانا‏"‏‏(34)

8/585 وروينا في سنن أبي داود والترمذي وكتاب ابن السني، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا أكَلَ أحَدُكُمْ طَعاماً‏"‏ وفي رواية ابن السني ‏"‏مَنْ أطْعَمَهُ اللَّهُ طَعاماً فَلْيَقُلِ‏:‏ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وأطْعِمْنا خَيْراً مِنْهُ، وَمَنْ سَقاهُ اللَّهُ تعالى لَبَناً فَلْيَقُلِ‏:‏ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وَزِدْنا مِنْهُ، فإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِىءُ منَ الطَّعامِ وَالشَّرَابِ غَيْرَ اللَّبَنِ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ ‏(35)

9/586 وروينا في كتاب ابن السني، بإسناد ضعيف، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا شرب في الإِناء تنفَّسَ ثلاثة أنفاسٍ يحمد اللّه تعالى في كل نفس، ويشكرُه في آخره‏.‏ ‏(36)

بابُ دعاءِ المدعوّ والضيفَ لأهلِ الطَّعامِ إذا فَرَغَ من أكلهِ

1/587 روينا في صحيح مسلم، عن عبد اللّه بن بُسْرٍ ـ بضمّ الباء وإسكان السين المهملة ـ الصحابيّ، قال‏:‏ نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أبي‏:‏ فقرّبنا إليه طعاماً ووَطْبَةً فأكل منها، ثم أُتيَ بتمر فكان يأكلُه ويُلقي النَّوَى بين أصبعيه ويجمعُ السبَّابَةَ والوُسطى ـ قال شعبة‏:‏ هو ظني وهو فيه إن شاء اللّه تعالى إلقاءُ النَّوى بين الأصبعين ـ ثم أُتي بشرابٍ فشربَه، ثم ناولَه الذي عن يمينه، فقال أبي، وأخذَ بلجامِ دابّته‏:‏ ادعُ اللَّهَ لنا، فقال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ فِيما رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ‏"‏‏.‏(37)

قلتُ‏:‏ الوطبة بفتح الواو وإسكان الطاء المهملة بعدها باء موحدة‏:‏ وهي قربة لطيفة يكون فيها اللبن‏.‏

1/588 وروينا في سنن أبي داود وغيره، بالإِسناد الصحيح، عن أنس رضي اللّه عنه؛ أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم جاء إلى سعد بن عبادة رضي اللّه عنه، فجاء بخبزٍ وزيْتٍ فأكل، ثم قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائِكَةُ‏"‏‏.‏‏(38)

3/589 وروينا في سنن ابن ماجه، عن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما قال‏:‏ أفطرَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم عند سعد بن معاذ، فقال‏:‏ ‏"‏أفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ‏"‏ الحديث‏.‏ ‏(39)

قلتُ‏:‏ فهما قضيتان جَرَتَا لسعد بن عبادة وسعد بن معاذ‏.‏

4/590 وروينا في سنن أبي داود، عن رجل عن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏ صنعَ أبو الهيثم بن التَّيِّهَان للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم طعاماً، فدعا النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابَه، فلما فرغوا، قال‏:‏ ‏"‏أثِيبُوا أخاكُمْ‏"‏ قالوا‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ وما إثابته‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخلَ بَيْتُهُ فأُكِلَ طَعامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ، فَدَعَوْا لَهُ، فَذَلِكَ إثابَتُهُ‏"‏‏.‏‏(40)

بابُ دُعاءِ الإِنسانِ لمن سَقَاهُ ماءً أو لبناً ونحوهما

1/591 روينا في صحيح مسلم، عن المقداد رضي اللّه عنه في حديثه الطويل المشهور قال‏:‏ فرفع النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم رأسَه إلى السماء، فقال‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ أطْعِمْ مَنْ أطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ سَقانِي‏"‏‏.‏(41)

2/592 وروينا في كتاب ابن السني، عن عمرو بن الحَمِقِ رضيَ اللّه عنه؛ أنه سقى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لَبَناً فقال‏:‏‏"‏ اللَّهُمَّ أمْتِعْهُ بِشَبابِه‏"‏ فمرّتْ عليه ثمانون سنةً لم يرَ شعرةً بيضاء‏.‏ (42) قلت‏:‏ الحَمِق بفتح الحاء المهملة وكسر الميم‏.‏

3/593 وروينا فيه، عن عمرو بن أخطب، بالخاء المعجمة وفتح الطاء رضي اللّه عنه قال‏:‏

اسْتَسْقَى رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأتيتُه بماء في جمجمة وفيها شعرة فأخرجتُها، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ‏"‏ قال الراوي‏:‏ فرأيته ابن ثلاث وتسعين أسود الرأس واللحية‏.‏ ‏(43)(‏ابن السني ‏(‏478‏)‏ وهو حديث حسن، أخرجه أحمد وابن حبّان والحاكم‏.‏ انظر الفتوحات الربانية 5/255‏)‏ "(‏ابن السني ‏(‏478‏)‏ وهو حديث حسن، أخرجه أحمد وابن حبّان والحاكم‏.‏ انظر الفتوحات الربانية 5/255‏)‏

قلت‏:‏ الجُمْجُمة بجيمين مضمومتين بينهما ميم ساكنة، وهي قدح من خشب وجمعها جماجم، وبه سمي دير الجماجم، وهو الذي كانت به وقعة ابن الأشعث مع الحجاج بالعراق، لأنه كان يُعمل فيه أقداح من خشب، وقيل‏:‏ سمي به لأنه بُنِي من جماجم القتلى لكثرة من قُتل‏.‏

بابُ دعاءِ الإِنسان وتحريضِه لمن يُضيِّفُ ضَيْفاً

1/594 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ جاء رجلٌ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليضيفَه فلم يكنْ عندَه ما يضيفُه، فقال‏:‏ ‏"‏ألا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا رَحِمَهُ اللَّهُ‏"‏ فقام رجل من الأنصار فانطلق به‏.‏ وذكر الحديث‏.‏ (44)

بابُ الثناءِ على مَنْ أكرمَ ضيفَه

1/595 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ جاء رجلٌ إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ إني مجهودٌ، فأرسلَ إلى بعض نسائِه فقالتْ‏:‏ والذي بعثكَ بالحقّ ما عندي إلا ماءٌ، ثم أرسلَ إلى أخرى فقالت مثلَ ذلك، حتى قلنَ كلهنّ مثلَ ذلك، فقال‏:‏ ‏"‏مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ‏"‏ فقام رجل من الأنصار فقال‏:‏ أنا يا رسولَ اللّه‏!‏ فانطلقَ به إلى رحلِه فقال لامرأته‏:‏ هل عندكِ شيءٌ‏؟‏ قالت‏:‏ لا، إلا قوتُ صبياني، قال‏:‏ فعلِّليهم بشيء، فإذا دخلَ ضيفُنا فأطفئي السراجَ وأريه أنَّا نأكلُ، فإذا أهوى ليأكلَ فقومي إلى السِّراجِ حتى تطفئيه، فقعدُوا وأكلَ الضيفُ، فلما أصبحَ غدا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏"‏قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صُنْعِكُما بِضَيْفِكُما اللَّيْلَةَ‏"‏ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ‏{‏وَيُؤْثِرُونَ على أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏9‏]‏‏.‏ (45)

قلتُ‏:‏ وهذا محمولٌ على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الطعام حاجة ضرورية، لأن العادةَ أن الصبيّ وإن كان شبعاناً يطلبُ الطعامَ إذا رأى مَن يأكلُه، ويُحمل فعلُ الرجل والمرأة على أنهما آثرا بنصيبهما ضيفهما، واللّه أعلم‏.‏

بابُ استحباب ترحيب الإِنسان بضيفه وحمده اللّه تعالى على حصوله ضيفاً عنده وسروره بذلك وثنائه عليه لكونه جعلَه أهلاً لذلك

1/596 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، من طرق كثيرة، عن أبي هريرة وعن أبي شُرَيْحٍ الخزاعيّ رضيَ اللّه عنهما؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ‏"‏‏.‏(46)

2/597 وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ خرجَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذاتَ يومٍ ـ أو ليلةٍ ـ فإذا هو بأبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما، قال‏:‏ ‏"‏ما أخْرَجَكُما مِنْ بُيُوتِكُما هَذِهِ السَّاعَةَ‏؟‏‏"‏ قالا‏:‏ الجوع يا رسول اللّه‏!‏ قال‏:‏ ‏"‏وأنا وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرَجَني الَّذي أخْرَجَكُما، قُومُوا‏"‏ فقاموا معه، فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا ليس هو في بيته، فلما رأتْهُ المرأةُ قالتْ‏:‏ مرحبَاً وأهلاً، فقالَ لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أيْنَ فُلانٌ‏؟‏‏"‏ قالت‏:‏ ذهبَ يستعذبُ لنا من الماء، إذ جاء الأنصاريّ فنظر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال‏:‏ الحمد للّه، ما أحدٌ اليوم أكرمُ أضيافاً منّي‏.‏ وذكر تمام الحديث‏.‏ ‏(47)

بابُ ما يقولُه بعدَ انصرافِه عن الطَّعام

1/598 روينا في كتاب ابن السني، عن عائشةَ رضي اللّه عنها قالت‏:‏ قالَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أذِيبُوا طَعامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلاةِ، وَلا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَ لَهُ قُلُوبُكُمْ‏"‏‏.‏(48)


كتاب السلام والاستئذان وتشميت العاطس وما يتعلق بها

قال اللّه سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏فإذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا على أنْفُسِكُم تحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 61‏]‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها‏}‏‏[‏النساء‏:‏86‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتَّى تَسْتأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا على أهْلِها‏}‏‏[‏النور‏:‏27‏]‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإذَا بَلَغَ الأطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كما اسْتَأذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏59‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏24‏]‏

واعلم أن أصلَ السَّلامِ ثابتٌ بالكتاب والسُّنّة والإِجماع‏.‏ وأما أفراد مسائله وفروعه فأكثرُ من أن تُحصر، وأنا أختصرُ مقاصدَه في أبواب يسيرة إن شاء اللّه تعالى، وبه التوفيق والهداية والإِصابة والرعاية‏.‏

بابُ فضلِ السَّلامِ والأمرِ بإفشائه

1/599 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما؛

أنَّ رجلاً سأل رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ أيُّ الإِسلام خَيْرٌ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏تُطْعِمُ الطَّعامَ، وَتَقْرأُ السَّلام على مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ‏"‏‏.‏‏(1)

2/600 وروينا في صحيحيهما، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ على صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً، فَلَمَّا خَلَقَهُ قال‏:‏ اذْهَبْ فَسَلِّمْ على أُولَئِكَ‏:‏ نَفَرٍ مِنَ المَلائِكَةِ جُلُوسٍ فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ فإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرّيَّتِكَ، فقال‏:‏ السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالُوا‏:‏ السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهُ، فَزَادُوهُ‏:‏ وَرَحْمَةُ اللَّهِ‏"‏‏.‏‏(2)

3/601 وروينا في صحيحيهما، عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما قال‏:‏ أمرنا رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بسبع‏:‏ بعيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنائز، وتشميتِ العاطسِ، ونصرِ الضعيفِ، وعوْنِ المظلومِ، وإفشاءِ السَّلامِ، وإبرارِ القَسَم‏.‏ هذا لفظ إحدى روايات البخاري‏.‏ (3)

4/602 وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حتَّى تحابُّوا، أوْلا أدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ‏؟‏ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ‏"‏‏.‏‏(4)

5/603 وروينا في مسند الدارمي وكتابي الترمذي وابن ماجه، وغيرها بالأسانيد الجيدة، عن عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه قال‏:‏ سمعتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏يا أيُّهَا النَّاسُ أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث صحيح‏.‏ (5)

6/604 وروينا في كتابي ابن ماجه وابن السني، عن أبي أُمامةَ رضي اللّه عنه قال‏:‏ أمَرَنَا نبيُّنا صلى اللّه عليه وسلم أن نُفشيَ السَّلامَ‏.‏ ‏(6)

7/605 وروينا في موطأ الإِمام مالك رضي اللّه عنه، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة،

أن الطُّفيلَ بن أُبيّ بن كعب أخبرَه أنه كان يأتي عبدَ اللّه بن عمر فيغدو معه إلى السوق، قال‏:‏ فإذَا غدوْنا إلى السوق لم يمرّ بنا عبدُ اللّه على سَقَّاطٍ ولا صاحبِ بَيْعَةٍ ولا مِسكين ولا أحدٍ إلاَّ سلَّم عليه؛ قال الطُّفيلُ‏:‏ فجئتُ عبدَ اللّه بن عمر يوماً، فاستتبعني إلى السوق، فقلتُ له‏:‏ ما تصنعُ بالسوق وأنتَ لا تقفُ على البيْعِ ولا تسألُ عن السِّلعِ ولا تسومُ ولا تجلسُ في مجالس السوق‏؟‏ قال‏:‏ وأقولُ اجلسْ بنا هاهنا نتحدّثْ، فقال لي ابن عمر‏:‏ يا أبا بطن ـ وكان الطفيلُ ذا بطن ـ إنما نغدو من أجل السلام نُسَلِّم على مَن لقيناه‏.‏ ‏(7)

8/606 وروينا في صحيح البخاري عنه، قال‏:‏ وقال عمّار رضي اللّه عنه‏:‏ ثلاثٌ من جَمعهنّ فقد جمعَ الإِيمانَ؛ الإِنصافُ من نفسك، وبذلُ السَّلام للعالم، والإِنفاقُ من الإِقتار‏.‏

(8)

وروينا هذا في غير البخاري مرفوعاً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏

قلت‏:‏ قد جمعَ في هذه الكلمات الثلاث خيراتِ الآخرة والدنيا، فإنَّ الإِنصافَ يقتضي أن يؤدّي إلى اللّه تعالى جميع حقوقه وما أمره به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه، وأن يؤدّي إلى الناس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضاً نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلاً‏.‏ وأما بذلُ السلام للعالم فمعناه لجميع الناس، فيتضمن أن لا يتكبر على أحد، وأن لا يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع من السلام عليه بسببه‏.‏ وأما الإِنفاق من الإقتار فيقتضي كمال الوثوق باللّه تعالى والتوكل عليه والشفقة على المسلمين إلى غير ذلك، نسأل اللّه تعالى الكريم التوفيق لجميعه‏.‏

بابُ كيفيّة السَّلام

اعلم أن الأفضل أن يقول المسلم‏:‏ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحداً، ويقولُ المجيب‏:‏ وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَركاتُه، ويأتي بواو العطف في قوله‏:‏ وعليكم‏.‏

وممّن نصّ على أن الأفضل في المبتدىء أن يقول ‏"‏السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته‏"‏ الإِمام أقضى القضاة أبو الحسن الماورديّ في كتابه ‏"‏الحاوي‏"‏ في كتاب السِّيَر، والإِمام أبو سعد المتولي من أصحابنا في كتاب ‏"‏صلاة الجمعة‏"‏ وغيرها‏.‏

1/607 ودليله ما رويناه في مسند الدارمي وسنن أبي داود والترمذي، عن عمران بن الحصين رضي اللّه عنهما قال‏:‏ ‏"‏جاء رجلٌ إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ السلام عليكم، فردّ عليه ثم جلس، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ عَشْرٌ، ثم جاء آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة اللّه، فردّ عليه ثم جلس، فقال‏:‏ عِشْرُونَ، ثم جاء آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاتُه، فردّ عليه فجلس، فقال‏:‏ ‏"‏ثلاثُونَ‏"‏‏.‏ فقال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏

وفي رواية لأبي داود، من رواية معاذ بن أنس رضي اللّه عنه، زيادة على هذا، قال‏:‏ ‏"‏ثم أتى آخر فقال‏:‏ السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ومغفرته، فقال‏:‏ أرْبَعُونَ، وقال‏:‏ هَكَذَا تَكُونُ الفَضَائِلُ‏"‏‏.‏(9)

2/608 وروينا في كتاب ابن السني، بإسناد ضعيف، عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان رجلٌ يمرّ بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم يَرعى دوابّ أصحابه فيقول‏:‏ السلام عليك يا رسول اللّه‏!‏ فيقول له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وَعَلَيْكَ السَّلامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ‏"‏، فقيل‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ تُسَلِّم على هذا سلاماً ما تُسلِّمه على أحدٍ من أصحابك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذلكَ وَهُوَ يَنْصَرِفُ بأجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً‏؟‏‏"‏‏.‏‏(10)

قال أصحابنا‏:‏ فإن قال المبتدىء‏:‏ السلام عليكم، حصل السَّلامُ، وإن قال‏:‏ السلام عليكَ، أو سلام عليكَ، حصل أيضاً‏.‏ وأما الجواب فأقلّه‏:‏ وعليكَ السلام، أو وعليكم السلام، فإن حذف الواو فقال‏:‏ عليكم السَّلام أجزأه ذلك وكان جواباً، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نصّ عليه إمامنا الشافعي رحمه اللّه في ‏"‏الأُم‏"‏ وقال به جمهور من أصحابنا‏.‏ وجزم أبو سعد المتولّي من أصحابنا في كتابه ‏"‏التتمة‏"‏ بأنه لا يجزئه ولا يكون جواباً، وهذا ضعيف أو غلط، وهو مخالفٌ للكتاب والسنّة ونصّ إمامنا الشافعي‏.‏

أما الكتاب فقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏69‏]‏ وهذا وإن كان شرعاً لِما قَبْلنا فقد جاء شرعنا بتقريره، وهو حديث أبي هريرة الذي قدَّمناه ‏(11)‏ في جواب الملائكة آدم صلى اللّه عليه وسلم، فإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أخبرنا ‏"‏أن اللّه تعالى قال‏:‏ هي تحيتك وتحية ذرّيتك‏"‏ وهذه الأمة داخلة في ذرّيته، واللّه أعلم‏.‏

واتفق أصحابنا على أنه لو قال في الجواب‏:‏ عليكم لم يكن جواباً، فلو قال‏:‏ وعليكم بالواو فهل يكون جواباً‏؟‏ فيه وجهان لأصحابنا؛ ولو قال المبتدىء‏:‏ سلام عليكم، أو قال‏:‏ السلام عليكم، فللمُجيب أن يقول في الصورتين‏:‏ سلام عليكم، وله أن يقول‏:‏ السلام عليكم، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏قالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ‏}‏ قال الإِمام أبو الحسن الواحديّ من أصحابنا‏:‏ أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار؛ قلت‏:‏ ولكن الألف واللام أولى‏.‏

فصل‏:‏

3/609 روينا في صحيح البخاري، عن أنس رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم؛ أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلَّم عليهم سلَّمَ عليهم ثلاثاً‏.‏ ‏(12)

قلت‏:‏ وهذا الحديث محمولٌ على ما إذا كان الجمعُ كثيراً، وسيأتي بيان هذه المسألة وكلام الماوردي صاحب الحاوي فيها إن شاء اللّه تعالى‏.‏

فصل‏:‏ وأقل السَّلام الذي يصير به مؤدّياً سنّة السلام أن يرفع صوته بحيث يُسمع المسلَّم عليه، فإن لم يُسْمعه لم يكن آتياً بالسلام، فلا يجب الردّ عليه‏.‏ وأقلّ ما يسقط به فرض ردّ السلام أن يرفع صوتَه بحيث يسمعه المسلِّم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الردّ، ذكرهما المتولي وغيره‏.‏

قلت‏:‏ والمستحبّ أن يرفع صوته رفعاً يسمعه به المسلَّم عليه أو عليهم سماعاً محققاً، وإذا تشكك في أنه يسمعهم زاد في رفعه، واحتاط واستظهر، أما إذا سلَّم على أيقاظ عندهم نيام، فالسنّة أن يخفضَ صوتَه بحيث يَحصل سماعُ الأيقاظ ولا يستيقظ النيام‏.‏

4/610 روينا في صحيح مسلم، في حديث المقداد رضي اللّه عنه الطويل، قال‏:‏ كنّا نرفع للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم نَصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلّم تسليماً لا يُوقظ نائماً ويُسمِع اليقظانَ، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما، فجاء النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فسلَّم كما كان يُسلِّم‏.‏ واللّه أعلم‏.‏ (13)

فصل‏:‏ قال الإِمام أبو محمد القاضي حسين، والإِمام أبو الحسن الواحدي وغيرهما من أصحابنا‏:‏ ويُشترط أن يكون الجواب على الفور، فإن أخَّرَه ثم ردّ لم يعدّ جواباً، وكان آثماً بترك الردّ‏.‏

بابُ ما جاء في كَراهةِ الإِشارة بالسَّلام باليد ونحوها بلا لفظ

1/611 روينا في كتاب الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لا تَشَبَّهُوا باليَهُودِ وَ لا بالنَّصَارَى، فإنَّ تَسْلِيمَ اليَهُودِ الإِشارَةُ بالأصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشارَةُ بالكَفّ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ إسناده ضعيف‏.‏ ‏(14)

2/612 قلت‏:‏ وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي عن أسماءَ بنت يزيد‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرّ في المسجد يوماً، وعُصبَة من النساء قُعود، فأشار بيده بالتسليم‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن، فهذا محمول على أنه صلى اللّه عليه وسلم جمع بين اللفظ والإِشارة، يدلّ على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في روايته‏:‏ فسلَّمَ علينا‏.‏ (15)‏

بابُ حُكْمِ السَّلاَم

اعلم أن ابتداء السَّلامِ سنَّةٌ مستحبّة ليس بواجب، وهو سنّةٌ على الكفاية، فإن كان المسلِّم جماعة كفى عنهم تسليمُ واحد منهم، ولو سلَّموا كلُّهم كان أفضل‏.‏ قال الإِمام القاضي حسين من أئمة أصحابنا في كتاب ‏"‏السير‏"‏ من تعليقه‏:‏ ليس لنا سنّة على الكفاية إلا هذا‏.‏ قلت‏:‏ وهذا الذي قاله القاضي من الحصر يُنكر عليه، فإن أصحابنا رحمهم اللّه قالوا‏:‏ تشميتُ العاطسِ سنّةٌ على الكفاية كما سيأتي بيانه قريباً إن شاء اللّه تعالى‏.‏ وقال جماعة من أصحابنا بل كلهم‏:‏ الأُضحية سنّةٌ على الكفاية في حقّ كل أهل بيت، فإذا ضحَّى واحد منهم حصل الشِّعار والسنّة لجميعهم‏.‏ وأما ردّ السلام، فإن كان المسلَّم عليه واحداً تعيَّنَ عليه الردّ، وإن كانوا جماعةً كان ردّ السلام فرضُ كفايةٍ عليهم، فإن ردّ واحد منهم سقطَ الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلُّهم أثموا كلُّهم، وإن ردّوا كلُّهم فهو النهاية في الكمال والفضيلة، وكذا قاله أصحابنا، وهو ظاهر حسن‏.‏ واتفق أصحابنا على أنه لو ردّ غيرُهم لم يسقط الردّ عنهم، بل يجب عليهم أن يردّوا، فإن اقتصروا على ردّ ذلك الأجنبيّ أثموا‏.‏

1/613 روينا في سنن أبي داود، عن عليّ رضي اللّه عنه، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يُجْزِىءُ عَنِ الجَماعَةِ إذَا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهُمْ، ويُجْزِىءُ عَنِ الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهُمْ‏"(16)‏‏.‏‏(‏أبو داود ‏(‏5210‏)‏ وهو حديث حسن، رجاله رجال الصحيح‏.‏ الفتوحات الربانية 5/305‏)‏ "‏‏.‏‏(‏أبو داود ‏(‏5210‏)‏ وهو حديث حسن، رجاله رجال الصحيح‏.‏ الفتوحات الربانية 5/305‏)‏ "‏‏.‏‏(‏أبو داود ‏(‏5210‏)‏ وهو حديث حسن، رجاله رجال الصحيح‏.‏ الفتوحات الربانية 5/305‏)‏ "‏‏.‏‏(‏أبو داود ‏(‏5210‏)‏ وهو حديث حسن، رجاله رجال الصحيح‏.‏ الفتوحات الربانية 5/305‏)‏"‏‏.‏‏(‏أبو داود ‏(‏5210‏)‏ وهو حديث حسن، رجاله رجال الصحيح‏.‏ الفتوحات الربانية 5/305‏)‏

2/614 وروينا في الموطأ، عن زيد بن أسلم أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنَ القَوْمِ أَجْزَأ عَنْهُمْ‏"‏ قلت‏:‏ هذا مرسل صحيح الإِسناد‏.‏ (17)

فصل‏:‏ قال الإِمام أبو سعد المتولي وغيره‏:‏ إذا نادى إنسان إنساناً من خلف ستر أو حائط فقال‏:‏ السلام عليك يا فلان‏!‏ أو كتب كتاباً فيه‏:‏ السلام عليك يا فلان، أو السلام على فلان، أو أرسل رسولاً وقال‏:‏ سلّم على فلان، فبلغه الكتاب أو الرسول، وجب عليه أن يردّ السلام؛ وكذا ذكر الواحدي وغيره أيضاً أنه يجب على المكتوب إليه ردّ السلام إذا بلغه السلام‏.‏

3/615 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ قال لي رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرأُ عَلَيْكِ السَّلامَ‏"‏ قالت‏:‏ قلتُ‏:‏ وعليه السلام ورحمة اللّه وبركاته‏.‏ هكذا وقع في بعض روايات الصحيحين ‏"‏وبركاته‏"‏ ولم يقع في بعضها، وزيادة الثقة مقبولة، ووقع في كتاب الترمذي ‏"‏وبركاته‏"‏ وقال‏:‏ حديث حسن صحيح، ويُستحبّ أن يرسلَ بالسلام إلى مَن غاب عنه‏.‏ ‏(18)

فصل‏:‏ إذا بعث إنسان مع إنسان سلاماً، فقال الرسول‏:‏ فلان يسلّم عليك، فقد قدّمنا أنه يجب عليه أن يردّ على الفور، ويستحبّ أن يردّ على المبلِّغ أيضاً، فيقول‏:‏ وعليك وعليه السلام‏.‏

4/616 وروينا في سنن أبي داود، عن غالب القطان، عن رجل قال‏:‏ حدّثني أبي عن جدي قال‏:‏

بعثني أبي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ائته فأقرئه السلام، فأتيته فقلت‏:‏ إن أبي يُقرئك السلام، فقال‏:‏ ‏"‏عَلَيْكَ السَّلامُ وَعلى أبِيكَ السَّلامُ‏"‏ ‏(19) ، وإسناده ضعيف لوجود مجاهيل فيه‏.‏‏)‏قلت‏:‏ وهذا وإن كان رواية عن مجهول، فقد قدّمنا أن أحاديثَ الفضائل يُتسامح فيها عند أهل العلم كلهم‏.‏

فصل‏:‏ قال المتولي‏:‏ إذا سلم على أصمّ لا يسمع فينبغي أن يتلفظ بلفظ السلام لقدرته عليه، ويشير باليد حتى يحصل الإِفهام ويستحقّ الجواب، فلو لم يجمع بينهما لا يستحقّ الجواب‏.‏ قال‏:‏ وكذا لو سلّم عليه أصمّ وأراد الرد فيتلفظ باللسان ويشير بالجواب ليحصل به الإِفهام ويسقط عنه فرض الجواب‏.‏ قال‏:‏ ولو سلّم على أخرس فأشار الأخرس باليد سقط عنه الفرض لأن إشارته قائمة مقام العبارة، وكذا لو سلَّم عليه أخرسُ بالإِشارة يستحقّ الجواب كما ذكرنا‏.‏

فصل‏:‏ قال المتولي‏:‏ لو سلَّم على صبيّ لا يجب عليه الجواب، لأن الصبيّ ليس من أهل الفرض، وهذا الذي قاله صحيح، لكن الأدب والمستحبّ له الجواب‏.‏ قال القاضي حسين وصاحبه المتولّي‏:‏ ولو سلَّم الصبي على بالغ، فهل يجب عليه الرد‏؟‏ فيه وجهان ينبنيان على صحة إسلامه، إن قلنا يصحّ إسلامُه كان سلامُه كسلام البالغ فيجب جوابُه‏.‏ وإن قلنا لا يصحّ إسلامه لم يجب ردّ السلام لكن يُستحبّ‏.‏ قلت‏:‏ الصحيح من الوجهين وجوب ردّ السلام لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا حُيِّيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْها أوْ رُدُّوها‏}‏ ‏[‏النساء 86‏]‏ وأما قولهما إنه مبنيّ على إسلامه، فقال الشاشي‏:‏ هذا بناء فاسد، وهو كما قال واللّه أعلم‏.‏ ولو سلم بالغ على جماعة فيهم صبيّ فردّ الصبيّ ولم يردّ منهم غيرُه، فهل يسقط عنهم‏؟‏ فيه وجهان‏:‏ أصحُّهما ـ وبه قال القاضي حسين وصاحبه المتولي ـ لا يسقط لأنه ليس أهلاً للفرض، والردّ فرض فلم يسقط به كما لا يسقط به الفرض في الصلاة على الجنازة‏.‏ والثاني هو قول أبي بكر الشاشي، صاحب المستظهري، من أصحابنا أنه يسقط، كما يصحّ أذانه للرجال ويسقط عنهم طلب الأذان‏.‏ قلت‏:‏ وأما الصلاة على الجنازة فقد اختلف أصحابُنا في سقوط فرضها بصلاة الصبيّ على وجهين مشهورين‏:‏ الصحيحُ منهما عند الأصحاب أنه يسقط، ونصّ عليه الشافعي، واللّه أعلم‏.‏

فصل‏:‏ إذا سلّم عليه إنسان ثم لقيه على قرب يُسنّ له أن يُسلِّم عليه ثانياً وثالثاً وأكثر، اتفق عليه صحابنا، ويدل عليه‏:‏

5/617 ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه في حديث المسيء صلاته؛ أنه جاء فصلَّى، ثم جاء إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فسلَّم عليه، فردّ عليه السلام، وقال‏:‏ ‏"‏ارْجِعْ فَصَلّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلّ‏"‏ فرجعَ فَصلَّى، ثم جاء فسلَّم على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، حتى فعلَ ذلك ثلاثَ مرّاتٍ‏.‏ (20)

6/618 وروينا في سنن أبي داود، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إِذَا لَقِيَ أحَدُكُمْ أخاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فإنْ حالَتْ بَيْنَهُما شَجَرَة أوْ جِدَارٌ أوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ‏"‏‏.‏‏(21)

7/619 وروينا في كتاب ابن السنيّ، عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان أصحابُ رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتماشَون، فإذا استقبلتهم شجرة أو أكَمة فتفرّقوا يميناً وشمالاً ثم التقوا من ورائها، سلَّم بعضُهم على بعضٍ‏.‏ (22)

فصل‏:‏ إذا تلاقى رجلان فسلَّم كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه دفعة واحدة أو أحدهما بعد الآخر، فقال القاضي حسين وصاحبه أبو سعد المتولّي‏:‏ يَصير كلُّ واحد منهما مبتدئاً بالسلام فيجب على كلِّ واحد منهما أن يردَّ على صاحبهِ‏.‏ وقال الشاشي‏:‏ هذا فيه نظر‏.‏ فإن هذا اللفظ يَصلح للجواب، فإذا كان أحدهما بعد الآخر كان جواباً، وإن كان دفعة لم يكن جواباً، وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب‏.‏

فصل‏:‏ إذا لقي إساناً فقال المبتدىء ‏"‏وعليكم السلام‏"‏ قال المتولي‏:‏ لا يكون ذلك سلاماً، فلا يستحقّ جواباً، لأنّ هذه الصيغة لا تصلح للابتداء‏.‏ قلت‏:‏ أما إذا قال‏:‏ عليك، أو عليكم السلام، بغير واو، فقطع الإِمام أبو الحسن الواحدي بأنه سلام يتحتم على المخاطَب به الجواب، وإن كان قد قلب اللفظ المعتاد، وهذا الذي قاله الواحدي هو الظاهر‏.‏ وقد جزم أيضاً إمام الحرمين به فيجب فيه الجواب لأنه يُسمَّى سلاماً، ويحتمل أن يُقال في كونه سلاماً وجهان كالوجهين لأصحابنا فيما إذا قال في تحلّله من الصلاة ‏"‏عليكم السلام‏"‏ هل يحصل به التحلّل أم لا‏؟‏ الأصحّ أنه يحصل، ويحتمل أن يُقال‏:‏ إن هذا لا يستحق فيه جواباً بكل حال‏.‏

8/620 لما رويناه في سنن أبي داود والترمذي، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن أبي جزي الهجيميّ الصحابي رضي اللّه عنه، واسمه جابر بن سليم‏,‏ وقيل سليم بن جابر (23) قال‏:‏ لقيتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بعض سكك المدينة وعليه ثوب قِطْري وهو بكسر القاف وسكون المهملة، فقلت‏:‏ عليك السلام يا رسول اللّه‏!‏ فقال‏:‏ ‏ ‏عليك السلام تحيّة الموتى، قل السلام عليكم‏ ‏ قالها مرّتين أو ثلاثاً قال الحافظ بعد تخريجه‏:‏ حديث صحيح أخرجه النسائي‏)‏ " ؛ ، قال‏:‏ أتيتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت‏:‏ عليك السلام يا رسول اللّه، قال‏:‏ ‏"‏لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ، فإنَّ عَلَيْك السَّلامُ تحِيَّةُ المَوْتَى‏"‏ (24)

قلت‏:‏ ويحتمل أن يكون هذا الحديث ورد في بيان الأحسن والأكمل، ولا يكون المراد أن هذا ليس بسلام، واللّه أعلم‏.‏ وقد قال الإِمام أبو حامد الغزالي في الإِحياء‏:‏ يكره أن يقول ابتداء ‏"‏عليكم السلام‏"‏ لهذا الحديث، والمختار أنه يُكره الابتداء بهذه الصيغة، فإن ابتدأ وجب الجواب لأنه سلام‏.‏

فصل‏:‏ السنّة أن المسلِّم يبدأ بالسلام قبل كل كلام، والأحاديث الصحيحة وعمل سلف الأمة وخلفها على وفق ذلك مشهورة، فهذا هو المعتمد في دليل الفصل‏.‏

9/621 وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي، عن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏السَّلامُ قَبْلَ الكَلامِ‏"‏ فهو حديث ضعيف، قال الترمذي‏:‏ هذا حديث منكر‏.‏ ‏(25)

فصل‏:‏ الابتداء بالسلام أفضل لقوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏وَخَيْرُهُما الَّذي يَبْدأُ بالسَّلامِ‏"‏ ‏(26)(‏البخاري ‏(‏6077‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2560‏)‏ ‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏6077‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2560‏)‏ ‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏6077‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2560‏)‏ ‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏6077‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2560‏)‏ ‏)‏"(‏البخاري ‏(‏6077‏)‏ ، ومسلم ‏(‏2560‏)‏ ‏)‏ ‏.‏ فينبغي لكل واحد من المتلاقين أن يحرص على أن يبتدىء بالسلام‏.‏

10/622 وروينا في سنن أبي داود، بإسناد جيد، عن أبي أُمامة رضي اللّه عنه قال‏:‏

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنَّ أوْلَى النَّاسِ باللَّهِ مَنْ بَدأَهُمْ بالسَّلامِ‏"‏ وفي رواية الترمذي عن أبي أُمامة‏:‏ قيل‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ الرجلان يلتقيان أيّهما يبدأ بالسلام‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أوْلاهُما باللّه تعالى‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ ‏(27)

فصل‏:‏ فيما إذا عَطَسَ يهوديٌّ‏.‏


17/691 روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، بالأسانيد الصحيحة، عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال‏:‏ كان اليهودُ يتعاطسُونَ عندَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يَرْجُون أن يقولَ لهم‏:‏ يرحمُكُم اللَّهُ فيقولُ‏:‏ ‏"‏يَهديكُم اللَّهُ وَيُصْلِحُ بالَكُمْ‏"‏‏:‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ (1)‏


فصل‏:‏ روينا في مسند أبي يعلى الموصلي (2)، وهو حديث ضعيف، وأخرجه الطبراني والدارقطني في الأفراد، والبيهقي وقال‏:‏ إنه منكر، وقال غيره‏:‏ إنه باطل ولو كان سنده كالشمس


عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ حَدَّثَ حَدِيثاً فَعَطَسَ عِنْدَهُ فَهُوَ حَقُّ‏"‏ كل إسناده ثقات مُتقنون إلا بقية بن الوليد فمختلف فيه، وأكثرُ الحفاظ والأئمة يحتجّون بروايته عن الشاميين، وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن يحيى الشامي


فصل‏:‏ إذا تثاءب فالسنّة أن يردّ ما استطاع للحديث الصحيح الذي قدّمناه‏.‏ والسنّة أن يضع يده على فيه‏.‏


18/692 لما رويناه في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذَا تَثاءَبَ أحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ على فَمِهِ، فإنَّ الشَّيْطانَ يَدْخُلُ‏"‏‏.‏‏(3)


قلتُ‏:‏ وسواء كان التثاؤب في الصلاة أو خارجها، يستحبّ وضعُ اليد على الفم، وإنما يكره للمصلّي وضعُ يده على فمه في الصلاة إذا لم تكن حاجة كالتثاؤب وشبهه، واللّه أعلم‏.‏


بابُ المَدْحِ


اعلم أنَّ مدح الإِنسان والثناءَ عليه بجميل صفاته قد يكون في وجه الممدوح، وقد يكون بغير حضوره، فأما الذي في غير حضورِه فلا منعَ منه إلا أن يُجازف المادحُ ويدخل في الكذب فيحرُم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحاً، ويُستحبُّ هذا المدح الذي لا كذبَ فيه إذا ترتب عليه مصلحةٌ ولم يجرّ إلى مفسدة بأن يبلغَ الممدوحَ فيفتتن به، أو غير ذلك‏.‏ وأما المدحُ في وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديث تقتضي إباحتَه أو استحبابه، وأحاديث تقتضي المنع منه‏.‏ قال العلماء‏:‏ وطريق الجمع بين الأحاديث أن يُقال‏:‏ إن كان الممدوحُ عنده كمالُ إيمان وحسنُ يقين ورياضةُ نفس ومعرفةٌ تامة بحيث لا يفتتن ولا يغترّ بذلك ولا تلعبُ به نفسُه فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شيءٌ من هذه الأمور كُرِهَ مدحُه كراهةً شديدة‏.‏


فمن أحاديث المنع‏:‏


1/693 ما رويناه في صحيح مسلم عن المقداد رضي اللّه عنه؛ أن رجلاً جعلَ يمدحُ عثمانَ رضي اللّه عنه، فعمدَ المقدادُ فجثا على ركبتيه، فجعلَ يحثو في وجهه الحصباءَ، فقال له عثمانُ‏:‏ ما شأنُك‏؟‏ فقال‏:‏ إنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إِذَا رأيْتُم المَدَّاحِينَ فاحْثُوا في وُجُوهِهِمْ التُّرابَ‏"‏‏.‏(4)


2/694 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال‏:‏ سمع النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم رجلاً يُثني على رجل ويُطريه في المِدْحَةِ، فقال‏:‏ ‏"‏أَهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ‏"‏‏.‏


قلتُ‏:‏ قوله يُطْريه‏:‏ بضم الياء وإسكان الطاء المهملة وكسر الراء وبعدها ياء مثناة تحت‏.‏ والإِطراء‏:‏ المبالغة في المدح ومجاوزة الحدّ، وقيل‏:‏ هو المدح‏.‏ (5)


3/695 وروينا في صحيحيهما، عن أبي بكرة رضي اللّه عنه؛ أن رجلاً ذُكِرَ عندَ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، فأثنى عليه رجلٌ خيراً، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ ـ يقوله مراراً ـ إنْ كانَ أحَدُكُمْ مادِحاً لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ‏:‏ أحْسِبُ كَذَا وكَذَا إنْ كانَ يَرَى أنَّهُ كَذَلِكَ وَحَسِيبُهُ اللَّهُ وَلا يُزَكِّي على اللَّهِ أحَداً‏"‏‏.‏‏(6)


وأما أحاديث الإِباحة فكثيرةٌ لا تنحصر، ولكن نُشير إلى أطراف منها‏:‏


فمنها قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح لأبي بكر رضي اللّه عنه ‏"‏ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما‏؟‏‏"‏ ‏(7)‏ وفي الحديث الآخر ‏"‏لَسْتَ مِنْهُم (8) ‏"‏ أي لستَ من الذين يُسبلون أُزرَهم خيلاء‏.‏ وفي الحديث الآخر ‏"‏يا أبا بَكْرٍ‏!‏ لا تَبْكِ، إنَّ أمَنَّ النَّاسِ عَليَّ في صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنتُ مُتَّخِذاً مِنْ أُمَّتِي خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلاً‏"‏ (9)‏ وفي الحديث الآخر ‏"‏أرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُم‏"‏ ‏(10)(‏البخاري ‏(‏3666‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1027‏)‏ ‏(‏86‏)‏ "(‏البخاري ‏(‏3666‏)‏ ، ومسلم ‏(‏1027‏)‏ ‏(‏86‏)‏ أي من الذين يُدْعون من جميع أبواب الجنة لدخولها‏.‏ وفي الحديث الآخر ‏"‏ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ‏"‏ ‏(11)‏ وفي الحديث الآخر ‏"‏اثْبُتْ أُحُدُ فإنَّمَا عَلَيْكَ نَبيٌّ وَصِدّيقٌ وَشَهِيدَانِ ‏"‏ (12) ‏"‏‏.‏


وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرأيْتُ قَصْراً، فَقُلْتُ‏:‏ لِمَنْ هَذَا‏؟‏ قالُوا‏:‏ لِعُمَرَ، فأرَدْتُ أنْ أدْخُلَهُ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ‏"‏ ‏(13)‏ فقال عمر رضي اللّه عنه‏:‏ بأبي وأمي يا رسول اللّه‏!‏ أعليك أغار‏؟‏‏.‏ وفي الحديث الآخر ‏"‏ياعُمَرُ‏!‏ ما لَقِيَكَ الشَّيْطانُ سَالِكاً فَجَّاً إِلاَّ سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجِّكَ‏"‏ ‏(14)‏ ‏.‏


وفي الحديث الآخر ‏"‏افْتَحْ لِعُثْمانَ وَبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ‏"‏ ‏(15)


وفي الحديث الآخر قال لعليّ‏:‏ ‏"‏أنْتَ مِنِّي وأنا مِنْكَ‏"‏ ‏(16)


وفي الحديث الآخر قال لعليّ‏:‏ ‏"‏أما تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى‏؟‏‏"‏ (17)


وفي الحديث الآخر قال لبلال ‏"‏سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ في الجَنَّةِ‏"‏ ‏(18)


وفي الحديث الآخر قال لأُبيّ بن كعب ‏"‏لِيَهْنَأْكَ العِلْمُ أبا المنْذِرِ‏"‏ ‏(19)(‏مسلم ‏(‏810‏)‏ ، وفيه‏:‏ ‏ ‏ليهنكَ‏ ‏ وأبو داود ‏(‏1460‏)‏ "(‏مسلم ‏(‏810‏)‏ ، وفيه‏:‏ ‏"‏ليهنكَ‏"‏ وأبو داود ‏(‏1460‏)‏


وفي الحديث الآخر قال لعبد اللّه بن سَلاَم ‏"‏أنْتَ على الإِسْلامِ حتَّى تَمُوتَ‏"‏ ‏(20)


وفي الحديث الآخر قال للأنصاري ‏"‏ضَحِكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أوْ عَجِبَ مِنْ فِعَالِكُما‏"‏ (21)


وفي الحديث الآخر قال للأنصار ‏"‏أنْتُمْ مِنْ أحَبّ النَّاس إِليَّ‏"‏ (22)


وفي الحديث الآخر قال لأشجّ عبد القيس‏:‏ ‏"‏إنَّ فيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ تَعالى وَرَسُولُهُ‏:‏ الحِلْمَ وَالأناة‏"‏ ‏(23)


وكلّ هذه الأحاديث التي أشرت إليها في الصحيح مشهورة، فلهذا لم أضفها، ونظائر ما ذكرناه من مدحه صلى اللّه عليه وسلم في الوجه كثيرة‏.‏ وأما مدح الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يُقتدى بهم رضي اللّه عنهم أجمعين فأكثر من أن تُحصر، واللّه أعلم‏.‏


قال أبو حامد الغزالي في آخر كتاب الزكاة من الإِحياء‏:‏ إذا تصدق إنسان بصدقة فينبغي للآخذ منه أن يَنظر، فإن كان الدافعُ ممّن يُحِبّ الشكر عليها ونشرها فينبغي للآخذ أن يخفيَها لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم وطلبه الشكر ظلم، وإن علم من حاله أنه لا يُحِبّ الشكر ولا يقصده فينبغي أن يشكرَه ويظهر صدقته‏.‏ وقال سفيان الثوري رحمه اللّه‏:‏ مَن عرف نفسه لم يضرّه مدح الناس‏.‏ قال أبو حامد الغزالي بعد أن ذكر ما سبق في أول الباب‏:‏ فدقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يُراعي قلبَه، فإن أعمالَ الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان وشماتة له، لكثرة التعب وقلة النفع، ومثل هذا العلم هو الذي يقال فيه‏:‏ إن تعلم مسألة منه أفضل مِنْ عبادة سنة، إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر ، وبالجهل به تموت عبادة العمر كله وتتعطل، وباللّه التوفيق‏.‏


بابُ مدح الإِنسان نفسه وذكر محاسنه


قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏32‏]‏ اعلم أن ذكرَ محاسن نفسه ضربان‏:‏ مذموم، ومحبوب، فالمذمومُ أن يذكرَه للافتخار وإظهار الارتفاع والتميّز على الأقران وشبه ذلك؛ والمحبوبُ أن يكونَ فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمراً بمعروف أو ناهياً عن منكر أو ناصحاً أو مشيراً بمصلحة أو معلماً أو مؤدباً أو واعظاً أو مذكِّراً أو مُصلحاً بين اثنين أو يَدفعُ عن نفسه شرّاً أو نحو ذلك، فيذكر محاسنَه ناوياً بذلك أن يكون هذا أقربَ إلى قَبول قوله واعتماد ما يذكُره، أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به أو نحو ذلك، وقد جاء في هذا المعنى ما لا يحصى من النصوص كقول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ‏"‏أنا النَّبِي لا كَذِبْ‏"‏ ‏"‏أنا سَيِّدُ وَلَد آدَم‏"‏ ‏"‏أنا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ‏"‏ ‏:‏أنا أعْلَمُكُمْ باللَّهِ وأتْقاكُمْ‏"‏ ‏"‏إني أبِيتُ عنْدَ ربي‏"‏ وأشباهه كثيرة، وقال يوسف صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏‏{‏اجْعَلْني على خَزَائِنِ الأرْضِ إني حَفِيظٌ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏55‏]‏ وقال شعيب صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏{‏سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏27‏]‏‏.‏


1/696 وقال عثمان رضي اللّه عنه حين حُصر ما رويناه في صحيح البخاري أنه قال‏:‏ ألستم تعلمون أنَّ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ جَهّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ‏؟‏‏"‏ فجهّزتهم، ألستم تعلمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ حَفَرَ بِئرَ رُومَة فَلَهُ الجَنَّةُ‏"‏ فحفرتها‏؟‏ فصدّقوه بما قاله‏.‏ (24)


2/697 وروينا في صحيحيهما، عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه أنه قال حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وقالوا‏:‏ لا يُحسن يصلي، فقال سعد‏:‏ واللّه إنّي لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل اللّه تعالى، ولقد كنّا نغزو مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وذكر تمام الحديث‏.‏ (25)


3/698 وروينا في صحيح مسلم، عن عليّ رضي اللّه عنه قال‏:‏ والذي فلق الحبَّة وبرأَ النسمةَ، إنه لعهدُ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إليّ ‏"‏أنه لا يحبني إلا مؤمنٌ ولا يبغضني إلا منافق‏"‏‏.‏(26)


قلتُ‏:‏ بَرَأَ مهموز معناه خلق؛ والنسمة‏:‏ النفس‏.‏


4/699 وروينا في صحيحيهما، عن أبي وائل قال‏:‏ خطبنا ابنُ مسعود رضي اللّه عنه فقال‏:‏ واللّه لقد أخذتُ من في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بضعاً وسبعين سورة، ولقد علمَ أصحابُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أني مِنْ أعلمهم بكتاب اللّه تعالى وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحداً أعلمُ منّي لرحلتُ إليه‏.‏ (27)


5/700 وروينا في صحيح مسلم، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه سئل عن البدنة إذا أزحفت، فقال‏:‏ على الخبير سقطتَ ـ يعني نفسَه ـ وذكر تمام الحديث‏.‏ (28)


ونظائر هذا كثيرة لا تنحصر، وكلُّها محمولة على ما ذكرنا، وباللّه التوفيق‏.‏


بابٌ في مسائل تتعلَّق بما تقدَّم


مسألة‏:‏ يُستحبّ إجابةُ مَن ناداك بلبّيك وسعديك أو لبّيك وحدها، ويُستحبّ أنْ يقول لمن ورد عليه مرحِّباً، وأن يقول لمن أحسن إليه أو رأى منه فعلاً جميلاً‏:‏ حفظك اللّه وجزاك اللّه خيراً، وما أشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة‏.‏


مسألة‏:‏ ولا بأس بقوله للرجل الجليل في علمه أو صلاحه أو نحو ذلك‏:‏ جعلني اللّه فداكَ، أو فِداكَ أبي وأُمي وما أشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة حذفتها اختصاراً‏.‏


مسألة‏:‏ إذا احتاجتْ المرأة إلى كلام غير المحارم في بيع أو شراء أو غير ذلك من المواضع التي يجوز لها كلامه فيها فينبغي أن تفخِّمَ عبارتَها وتغلظها (29)‏ ولا تليِّنها مخافةً من طمعه فيها‏.‏


قال الإِمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا في كتابه ‏"‏البسيط‏"‏‏:‏ قال أصحابنا‏:‏ المرأة مندوبة إذا خاطبتِ الأجانبَ إلى الغِلْظة في المقالة، لأن ذلك أبعد من الطمع في الريبة، وكذلك إذا خاطبتْ مَحرماً عليها بالمصاهرة، ألا ترى أن اللّه تعالى أوصى أُمّهات المؤمنين وهنّ محرّمات على التأبيد بهذه الوصية، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يا نساءَ النَّبيّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذي في قَلْبِهِ مَرَضٌ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏32‏]‏ قلتُ‏:‏ هذا الذي ذكره الواحدي من تغليظ صوتها، كذا قاله أصحابنا‏.‏ قال الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا‏:‏ طريقُها في تغليظه أن تأخذ ظهرَ كفّها بفيها وتُجيب كذلك، واللّه أعلم‏.‏ وهذا الذي ذكره الواحديُّ من أن المحرّم بالمصاهرة كالأجنبي في هذا ضعيف وخلاف المشهور عند أصحابنا؛ لأنه كالمَحرم بالقرابة في جواز النظر والخلوة‏.‏ وأما أُمَّهاتُ المؤمنين فإنهنّ أُمّهاتٌ في تحريم نكاحهنّ ووجوب احترامهنّ فقط، ولهذا يحلّ نكاح بناتهنّ، واللّه أعلم‏.‏

كتاب أذكار النّكاح وما يتعلّق به

باب ما يقوله من جاء يخطب امرأةً من أهلها لنفسه أو لغيره

يُستحبّ أن يبدأ الخاطبُ بالحمد للّه والثناء عليه والصَّلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويقول‏:‏ أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه جئتكم راغباً في فتاتِكم فُلانة أو في كريمتِكم فُلانة بنت فلان أو نحو ذلك‏.‏

1/701 روينا في سنن أبي داود وابن ماجه وغيرهما، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏كُلُّ كَلامٍ‏"‏ وفي بعض الروايات ‏"‏كُلُّ أمْرٍ لا يُبْدأُ فِيه بالحَمْد لِلَّهِ فَهُوَ أجْذَمُ‏"‏ وروي ‏"‏أقْطَعُ‏"‏ وهما بمعنى‏.‏ هذا حديث حسن‏.‏ وأجذم بالجيم والذال المعجمة ومعناه‏:‏ قليل البركة‏.‏ (1)

2/702 وروينا في سنن أبي داود والترمذي، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏كُلُّ خطْبَةٍ لَيْسَ فِيها تَشَهُّدٌ فَهِيَ كاليَدِ الجَذْماءِ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏ (2)

باب عرض الرجل بنته وغيرها ممن إليه تزويجها على أهلِ الفضلِ والخير ليتزوجُوها

1/703 روينا في صحيح البخاري؛ أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما تُوفي زَوْجُ بنته حفصة رضي اللّه عنهما قال‏:‏ لقيتُ عثمان فعرضتُ عليه حفصةَ فقلتُ‏:‏ إن شئتَ أنكحتُك حفصة بنتَ عمر، فقال‏:‏ سأنظر في أمري، فلبثتُ ليالي ثم لقيني فقال‏:‏ قد بدا لي أن لا أتزوّج يومي هذا، قال عمر‏:‏ فلقيتُ أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه فقلتُ‏:‏ إن شئتَ أنكحْتُك حفصةَ بنتَ عمر، فصمتَ أبو بكر رضي اللّه عنه، وذكر تمام الحديث‏.‏ (3)

بابُ ما يقولُه عند عَقْدِ النِّكَاح

يُستحبُّ أن يخطبَ بين يدي العقد خطبةً تشتملُ على ما ذكرناهُ في الباب الذي قبلَ هذا وتكونُ أطولَ من تلك، وسواء خطبَ العاقدُ أو غيرُه‏.‏

وأفضلُها‏:‏

1/704 ما روينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وغيرها، بالأسانيد الصحيحة، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال‏:‏

علَّمنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطبة الحاجة‏:‏ ‏"‏الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ‏{‏يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالاً كَثِيراً وَنِساءً، واتَّقُوا اللَّهَ الذي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏1‏]‏‏.‏ ‏{‏يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُمْ مُسْلِمُون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 102‏]‏ ‏{‏يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيماً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏71‏]‏‏"‏‏.‏ هذا لفظ إحدى روايات أبي داود‏.‏

وفي رواية له أخرى ‏(4)‏ بعد قوله ورسوله ‏"‏أرْسَلَهُ بالحَقّ بَشِيراً وَنَذِيراً بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ اللَّه وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِما فإنَّهُ لا يَضُرُّ إِلاَّ نَفْسَهُ وَلا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئاً‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏.‏

قال أصحابنا‏:‏ ويُستحبُّ أن يقول مع هذا‏:‏ أُزوِّجك على ما أمر اللّه به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وأقلّ هذه الخطبة‏:‏ الحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلاةُ على رَسُولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ، واللّه أعلم‏.‏ (5)

واعلم أن هذه الخطبة سنّة، لو لم يأتِ بشيء منها صحَّ النكاح باتفاق العلماء‏.‏ وحكي عن داود الظاهري رحمه اللّه أنه قال‏:‏ لا يصحّ، ولكن قال ‏.‏العلماء المحققون‏:‏ لا تعدّوا خلافَ داود خلافاً معتبراً، ولا ينخرقُ الإِجماعُ بمخالفته، واللّه أعلم‏.‏

وأما الزوجُ فالمذهب المختار أنه لا يخطب بشيء، بل إذا قال له الوليّ‏:‏ زوّجتك فلانة‏.‏ يقول متصلاً به‏:‏ قبلتُ تزويجها؛ وإن شاء قال‏:‏ قبلتُ نكاحَها، فلو قال‏:‏ الحمد للّه والصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبلتُ، صحَّ النكاحُ، ولم يضرّ هذا الكلام بين الإِيجاب والقبول؛ لأنه فصل يسير له تعلق بالعقد‏.‏ وقال بعض أصحابنا‏:‏ يبطلُ به النكاح؛ وقال بعضهم‏:‏ لا يبطلُ بل يُستحبّ أن يأتي به، والصوابُ ما قدّمناه أنه لا يأتي به ولو خالف فأتى به لا يَبطل النكاح، واللّه أعلم‏.‏

بابُ ما يُقالُ للزوج بعدَ عقدِ النِّكاح

السنّة أن يُقال له‏:‏ باركَ اللّه لك، أو باركَ اللّه عليك، وجمعَ بينكما في خير‏.‏ ويُستحبُّ أن يُقال لكلّ واحد من الزوجين‏:‏ بارَك اللّه لكلّ واحدٍ منكما في صاحبه، وجمعَ بينكما في خير‏.‏

1/705 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي اللّه عنه؛ أن النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه حين أخبره أنه تزوّج‏:‏ ‏"‏بارَكَ اللَّهُ لَكَ‏"‏‏.‏ (6)

2/706 وروينا في الصحيح أيضاً أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لجابر رضي اللّه عنه حين أخبره أنه تزوّج‏:‏ ‏"‏بارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ‏"‏‏.‏ (7)

3/707 وروينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه؛

أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رفأ الإِنسانُ، أي‏:‏ إذا تزوّج قال‏:‏ ‏"‏بَارَكَ اللَّهُ لك، وبارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُما في خَيْرٍ‏"‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ فصل‏:‏ ويُكره أن يُقال له بالرِّفاء والبنين، وسيأتي دليلُ كراهته إن شاء اللّه تعالى في كتاب حفظ اللسان في آخر الكتاب‏.‏ والرِّفاء بكسر الراء وبالمدّ‏:‏ وهو الاجتماع‏.‏

باب ما يقول الزوجُ إذا دخلت عليه امرأتُه ليلة الزِّفاف

يُستحبّ أن يُسَمِّيَ اللَّهَ تعالى، ويأخذَ بناصيتهَا أولَ ما يَلقاها ويقول‏:‏ بارَك اللَّهَ لكلِّ واحدٍ منَّا في صاحبه، ويقول معه‏:‏

1/708 ما رويناه بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود وابن ماجه وابن السني وغيرها، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي اللّه عنه،

عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إِذَا تَزَوَّجَ أحَدُكُمُ امْرأةً أوِ اشْتَرَى خَادماً فَلْيَقُلِ‏:‏ اللَّهُمَّ إِني أسألُكَ خَيْرَها وَخَيْرَ ما جَبَلْتَها عَلَيْهِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّها وَشَرِّ ما جَبَلْتَها (9)‏ عَلَيْهِ‏.‏ وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيراً فَلْيأْخُذْ بِذِرْوَةِ سِنَامِهِ وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذلكَ‏"‏ وفي رواية ‏"‏ثُمَّ ليأْخُذْ بِناصِيَتِها وَلْيَدْعُ بالبَرَكَةِ في المَرأة والْخَادِمِ‏"‏‏.‏‏(10)

باب ما يُقالُ للرجل بعدَ دُخولِ أهلهِ عليه

1/709 روينا في صحيح البخاري وغيره عن أنس رضي اللّه عنه قال‏:‏ بنى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بزينب رضي اللّه عنها، فأولم بخبز ولحم‏.‏‏.‏ وذكر الحديث في صفة الوليمة وكثرة مَن دُعي إليها‏.‏ ثم قال‏:‏ فخرجَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة فقال‏:‏ ‏"‏السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ‏"‏ فقالت‏:‏ وعليك السلام ورحمة اللّه، كيف وجدتَ أهلك‏؟‏ بارك اللّه لك، فتقرَّى حُجَر نسائه كلّهنّ يقولُ لهنّ كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة‏.‏ ‏(11)

بابُ ما يقولُه عندَ الجمَاع

1/710 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، من طرق كثيرة،

عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لَوْ أنَّ أحَدَكُمْ إذَا أتى أهْلَهُ قالَ‏:‏ بِسْمِ اللّه اللَّهُمَّ جَنِّبْنا الشَّيْطانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطانَ ما رَزَقْتَنا فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ‏"‏ وفي رواية للبخاري ‏"‏لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطانٌ أبَداً‏"‏‏.‏(12)

بابُ مُلاعبةِ الرجلِ امرأَتَه وممازحته لها ولطف عبارتِه معها

1/711 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن جابر رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏تَزَوََّجْتَ بِكْراً أَمْ ثَيِّباً‏؟‏ قلت‏:‏ تَزوّجتُ ثيباً، قال‏:‏ هَلاَّ تَزَوَّجْتَ بِكْراً تُلاعِبُها وَتُلاعِبُكَ‏"‏‏.‏‏(13)(‏البخاري ‏(‏6387‏)‏ ، ومسلم ‏(‏715‏)‏ ‏(‏110‏)‏"(‏البخاري ‏(‏6387‏)‏ ، ومسلم ‏(‏715‏)‏ ‏(‏110‏)‏

2/712 وروينا في كتاب الترمذي وسنن النسائي، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أكمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمانَاً أحْسَنُهُمْ خُلُقاً وألْطَفُهُمْ لأهْلِهِ‏"‏‏.‏‏(14)

بابُ بيان أدبِ الزَّوِجِ مع أصهاره في الكلام

اعلم أنه يستحبّ للزوج أن لا يخاطب أحداً من أقارب زوجته بلفظ فيه ذكر جماع النساء، أو تقبيلهنّ، أو معانقتهنّ، أو غير ذلك من أنواع الاستمتاع بهنَّ، أو ما يتضمن ذلك أو يُستدلّ به عليه أو يفهم منه‏.‏

1/713 روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عليٍّ رضي اللّه عنه قال‏:‏ كنت رجلاً مَذَّاءً فاستحييتُ أن أسألَ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمكان ابنته منّي، فأمرتُ المقدادَ فسألَه‏.‏ (15)

بابُ ما يُقال عند الولادة وتألّم المرأة بذلك

ينبغي أن يُكثر من دُعاء الكَرْب الذي قدَّمناه‏.‏

1/714 وروينا في كتاب ابن السني عن فاطمة رضي اللّه عنها؛ أنَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما دنا ولادها أمرَ أُمَّ سلمة وزينبَ بنتَ جحشٍ أن يأتيا فيقرآ عندها آية الكرسي، و‏{‏إن ربَّكم اللَّهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏54‏]‏ إلى آخر الآية، ويعوّذاها بالمعوّذتين‏.‏ ‏(16)

بابُ الأَذَان في أُذُنِ المولُود

1/715 روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، عن أبي رافع رضي اللّه عنه مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال؛ رأيتُ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أذّن في أُذن الحسين بن عليّ حينَ ولدتهُ فاطمةُ بالصلاة ـ رضي اللّه عنهم ـ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ (17)

قال جماعة من أصحابنا‏:‏ يُستحبّ أن يؤذّن في أُذنه اليمنى ويُقيم الصلاة في أُذنه اليسرى‏.‏

2/716 وقد روينا في كتاب ابن السني، عن الحسين بن عليّ رضي اللّه عنهما قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فأذَّنَ في أُذُنِهِ اليُمْنَى، وأقامَ في أُذُنِهِ اليُسْرَى لَمْ تَضُرّهُ أُمُّ الصّبْيانِ‏"‏‏.‏(18)

بابُ الدعاءِ عندَ تَحنيكِ الطفل

1/717 روينا بالإِسناد الصحيح في سنن أبي داود، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ كانَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يُؤتى بالصبيان فيدعو لهم ويحنّكُهم‏.‏ وفي رواية‏:‏ فيدعو لهم بالبركة‏.‏ (19)

2/718 وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنها قالت‏:‏ حملتُ بعبد اللّه بن الزبير بمكة، فأتيتُ المدينةَ فنزلتُ قباءَ فولدتُ بقباءَ، ثم أتيتُ به النَّبي صلى اللّه عليه وسلم، فوضعَه في حِجره ثم دعا بتمرةٍ فمضغَها ثم تفلَ في فِيه، فكانَ أوّل شيء دخل جوفَه ريقُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم حنَّكَه بالتمرة، ثم دعا له وباركَ عليه‏.‏ (20)‏

3/719 وروينا في صحيحهما، عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال‏:‏ وُلد لي غلامٌ، فأتيتُ به النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم فسمَّاه إبراهيم، وحنَّكه بتمرةٍ، ودعا له بالبركة، هذا لفظ البخاري ومسلم إلا قوله ‏"‏ودعا له بالبركة‏"‏ فإنه للبخاري خاصة‏.‏ ‏(21)

نمله
03-28-2007, 02:31 AM
http://www.7-secret.com/vb/images/star5.gif

نمله
05-08-2007, 02:11 AM
بارك الله فيك

نمله
05-08-2007, 02:16 AM
http://www.7-secret.com/vb/images/star5.gifمعلش الانك خرب لعلمك انا مشرف معتزل

مذهلهـ
01-13-2009, 08:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

1-كيف تحارب وسوسة الشيطان بالتكنولوجيا

قد تصادف اثناء ابحارك في الانترنيت مواقع ابـاحــية بالصدفة

فيدفعك الفضول الى الدخول اليها

فتجد نفسك مدمنا عليها و لا تجد لنفسك مخرجا

فيوما بعد يوم تضاعف رصيدك من الذنوب

فاعلم أخي المسلم أن الشيطان استعمل أحد ثغرات جهازك

ليصيبك بفايروس الادمان على المواقع الابــاحــــية

فتتبع معي كيف يمكنك سد الثغرات بأبسط الوسائل مع الشرح بالصور

كيف ذلك؟؟



ما أروع أن نسمع البسملة عند تشغيل الكمبيوتر بدل موسيقى الويندوز الاعتيادية

أو آية من آيات القرآن الكريم بصوت أحد القراء الموهوبين

فنتذكر أن الله سبحانه و تعالى معنا

قم بتحميل أحد الملفات التالية (حسب لغة نظامك)


الفرنسية

4shared.com - online file sharing and storage - download Franأ§ais.rar

الانجليزية

4shared.com - online file sharing and storage - download English.rar

فك الضغط عن الملف

انسخ الملفات

ثم اتبع ما يلي

افتح Run ثم اكتب مايلي

C:\WINDOWS\Media

الصق الملفات التي سبق لك نسخها



وافق على الاستبدال


مبروك تم تغيير الموسيقى بالبسملة( و الحمد لله رب العالمين عند اطفاء الجهاز )


2-ما أجمل خلفية مكتبي التي تذكرني دائما بعقيدتي و بديني الحنيف الاسلام


بامكانك تحميل باقة من الخلفيات من الرابط التالي اختر منها ما يناسبك

4shared.com - online file sharing and storage - download IslamicWallpaper.rar

ا3-جل موشر الماوس يذكرك بالله

قم أولا بتحميله من هذا الرابط

4shared.com - online file sharing and storage - download Allah.ani

من لوحة التحكم اختر الماوس غير الموشر اسم الموشر الجديد allah

تجده فى قائمة الموشرات

http://www.la3younk.com/files/xeks2unj55l5oafk1c7k.gif
4-ما أروع الأذكار التي تبدو كل خمس دقائق لبضع ثوان

تذكرني بالله عز و جل

و تزيد رصيدي من الحسنات

قم بتحميل البرنامج من الرابط التالي

4shared.com - online file sharing and storage - download AlThkir4.exe (http://www.4shared.com/file/61320157/2f67aa59/AlThkir4.html)
4-ما أروع الأذكار التي تبدو كل خمس دقائق لبضع ثوان

تذكرني بالله عز و جل

و تزيد رصيدي من الحسنات

قم بتحميل البرنامج من الرابط التالي

4shared.com - online file sharing and storage - download AlThkir4.exe (http://www.4shared.com/file/61320157/2f67aa59/AlThkir4.html)

و قم باعداده بتوقيت التذكير الذي يناسبك


http://www.la3younk.com/files/qfinpdfwivin8p0f7mso.jpg (http://www.la3younk.com/)


5-يا له من برنامج عجيب

يمكني من الاستماع للعديد من مشاهير القراء أثناء عملي على الجهاز


لتحميل البرنامج من هنا
4shared.com - online file sharing and storage - download Quran 2.7.exe (http://www.4shared.com/file/61324079/744918bc/Quran_27.html)



6-حافظة شاشة تظهر أسماء الله الحسنى

يمكن تحميلها بالضغط على الصورة التالية

4shared.com - online file sharing and storage - download 99_****s_of_ALLAH_Screen_Saver.zip (http://www.4shared.com/file/61304645/289f2886/99_****s_of_ALLAH_Screen_Saver.html)

7-لن يلهيني الابحار في الانترنيت عن صلاتي بعد اليوم

فالمؤذن يسكن داخل جهازي

http://www.la3younk.com/files/m5ea86h61gvso520yl2j.jpg (http://www.la3younk.com/)

تحميل البرنامج من الرابط

4shared.com - online file sharing and storage - download AthanPro.exe (http://www.4shared.com/file/61317755/1f93f5ae/AthanPro.html)

8-ما أروع مصحفي الاكتروني

أستطيع تصفح القرآن الكريم بمنتهى السهولة

بالاضافة الى خاصية امكانية البحث
http://www.la3younk.com/files/6w91dxnjkafmuvi0i9l6.jpg (http://www.la3younk.com/)

تستطيع تحميله من الرابط الآتي

4shared.com - online file sharing and storage - download Quran writer.rar (http://www.4shared.com/file/61442000/f5faac1b/Quran_writer.html)

9-إنه جدار ناري أقوى من ZoneAlarme و أكثر حماية من Total Security لبرامج الحماية

لم أدع منفذا و الا أغلقته على وسوسة الشيطان فكلما أراد استغلال ثغرة

الا و وجدها محصنة منيعة

كلما اراد زرع تروجان الا و وجد مضاد الفيروسات النفسية



اللهم تقبل مني هذا العمل و انفع به شباب المسلمين،،


لاتنسونا وصاحب الموضوع من الدعاء،،

فديت العيون
01-13-2009, 09:43 PM
ربي يعطيك العافيه على هذا الموضوع

تسلمين وجزاك الله الجنه انتي وصاحب الموضوع

تشكراتي لك وتقبلي مروري المتواضع

اخوك فديت العيون

رفيع الشااان
01-14-2009, 01:54 AM
تسلميــن اختــي*(*مـــذهلـــــه*)*

طــرحــك فــي غـايـة الـروعــه ويستــافــاد منــه

اللــه يجــزاك خيــر وسلمــت انــاملــك ولاهنتــي

اخـــــوكــ*(*رفيــــــع الشــأأأن*)*

imported_الالماسة
01-14-2009, 02:03 AM
سلمت يداكي على الموضوع الاكثر من رائع
وربى يعطيكى العافية
وننتظر جديدك

دانة السعوديه
01-14-2009, 02:39 AM
مـذهـآــه

يـسأــمــو خـيـتـو

جـزآأإآكـ الله خييييييير

الله يعطيييك العـآفيييه

تقبـآـي مروري