المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحكام التعزية وزيارة القبور


s9c9
04-26-2007, 03:26 PM
أحكام التعزية وزيارة القبور
أحكام التعزية وزيارة القبور


إن الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمد عبده ورسوله ، وصفيه من خلقه وخليله ، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة ، فكشف الله به الغمة ، وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، فاللهم أجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ، ورسولاً عن دعوته ورسالته ، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحبه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد .. فحياكم الله جميعا أيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء ، وطبتم جميعا وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا ، وأسال الله العظيم الحليم الكريم جل وعلا الذى جمعنا فى هذا البيت المبارك الطيب على طاعته ، أن يجمعنا فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته ودار كرامته ، إنه ولى ذلك والقادر عليه ..

أيها الأحبة : نحن الليلة على موعد مع الدرس العاشر من دروس أحكام
الجنائز فى شرحنا لهذا الحديث المبارك وما زالت أتحدث عن أحكام التعزية وزيارة
القبور ..

ومن الأحكام المتعلقة بزيارة القبور : أنه أتى على قبور المسلمين يوما فبينما هو يمشى إذ حانت من نظرة - يعنى نظر أو ألتفت النبى صلى الله عليه وسلم التفاتة - فإذا هو برجل يمشى بين القبور عليه نعلان .. يلبس نعلين سبتيتين من نعال اليمن فقال النبى صلى الله عليه وسلم " يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك " يعنى اخلع نعليك فنظر الرجل فلما ، عرف الرجلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خلع نعليه فرمى بهما .. الحديث أخرجه أصحاب السنن وهو حديث حسن(1).

والحديث كما قال الحافظ ابن حجر فى الفتح يدل على كراهية المشى بين القبور بالنعال .. يدل على كراهية المشى بين القبور بالنعال .. وغالى ابن حزم رحمه الله تعالى فقال بالتحريم. قال : يحرم المشى بين القبور بالنعال السبتية دون غيرها ، وهذا كلام لا دليل عليه : يعنى يحرم المشى بين القبور بالنعال السبتية فقط دون غيرها.

يقول الأمام الخطابى : لقد نهى النبىصلى الله عليه وسلم الرجل وأمره بخلع النعلين لما فيهما من الخيلاء، وهذا متعقب بفعل ابن عمر أنه - رضى الله عنهما - كان يلبس النعال السبتية ويقول : إن النبىصلى الله عليه وسلم كان يلبسها.

أما الأمام الطحاوى رحمه الله تعالى فقال - كلاما معتبراً وأنا أرى كلام الطحاوى كلاما نفيسا - يقول الأمام الطحاوى : يحمل نهى الرجل المذكور - يعنى على لامشى فى القبور بالنعلين السبتيتين - يحمل نهى الرجل المذكور على أنه كان فى نعليه قادر ، واستدل استدلالا رقيقا لطيفا فقال : فلقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى فى نعليه ما لم ير فيهما شيئا ..

هذا كلام معتبر فلقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى فى نعليه ما لم ير فيهما أذى فهو يستدل أن الصلاة جائزة فى النعال ما لم تكن نجسة أو لم تكن مصابة بأذى ، وقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى فى النعلين. وفى حديث : صلى النبى صلى الله عليه وسلم بنعليه ثم خلع نعليه فى الصلاة فخلع الصحابة جميعاً نعالهم وهم يصلون فلما قضى النبى صلاته قال : " لم جعلتم نعالكم ؟ " قالوا : رأيناك جعلت نعليك فخلفنا نعالنا.

هذه قمة الطاعة وقمة الامتثال مع أنه لم يأمرهم لكنهم لمجرد الرؤية فعلوا ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم ، قالوا : رأيناك جعلت نعليك فخلفنا نعالنا. فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " إن جبريل قد نزل على وأخبرنى أن فيهما قذرا فخلعتهما ". ثم أمر النبى صلى الله عليه وسلم الصحابة إذا دخل أحدهم المسجد فلينظر فى نعليه ، فإن وجدهما طاهرتين صلى فيهما وإن وجد فيهما أذى حكهما(1) - يعنى طهرهما بالتدليك فى الرمال - ثم صلى فيهما.

وأود أن أنبه شبابنا وطلاب العلم بأن بعضهم قد يدخل المسجد ويصلى بنعليه ، ويحتج بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صلى فى نعليه ، لكن هذا المحتج لم يحقق مناط الدليل ، وهذا موضع الإشكال فى كثير من الخلافات الموجودة بين طلبة العلم. فالمسجد النبوى كان فرشه الحصى لم يكن مفروشاً بالسجاد والموكيت ، فلو دخلت مسجداً فرشه الحصى صلى بنعليك إذا كان النعلان طاهرتين. تحقق من طهارة النعلين وصل فيهما ، فإذا كانت مسافرا ونزلت من السيارة ووقفت على الطريق صل فى نعليك ولا حرج عليك فى ذلك بل أنت مصيب للسنة ، وهذا أمر لا يعرفه كثير من المسلمين.

لابد من تحقيق مناط الدليل حتى لا نستشهد بالدليل فى غير موضعه ، وتحدث من المشاكل ما نحن فى غنى عنها بدعوى أن الدليل قد صح وقد فعل النبى صلى الله عليه وسلم ذلك.

هذا حق لكنه لم يحقق مناط الدليل فى المسألة ؛ إذ كلام الطحاوى يحمل نهى الرجل المذكور على أنه كان فى نعليه قذر فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى فى نعليه ما لم ير فيهما أذى.

الشيخ ناصر رحمه الله تعالى يستبعد احتمال الإمام الطحاوى رحمه الله تعالى. وجزم ابن حزم أيضا ببطلان هذا الاحتمال. الشيخ ناصر يقول : والأقرب أن النهى عن لبس النعال والمشى بها بين القبور. من باب احترام الموتى فهو كالنهى عن الجلوس على القبر.

والحقيقة أنا أقول بأنه ليس كالنهى فى الجلوس على القبر ، ليس المشى بين القبور كما قال شيخنا الشيخ ناصر رحمه الله كالجلوس على القبر لماذا ؟ لأنه قد ثبت فى الجلوس على القبر وعيد شديد ؛ بدليل من كلام النبى صلى الله عليه وسلملم يثبت هذا الوعيد أبدا أو لم يثبت وعيد قريب منه فى المشى بين القبور ؛ ولذا فأنا أخالف شيخنا رحمه الله تعالى فى قوله : والأقرب النهى من باب احترام الموتى كالنهى عن الجلوس على القبر.

وسأذكر الآن حديثا فيه وعيد شديد من النبى صلى الله عليه وسلم فى الجلوس على القبر لم يثبت مثل أو قريب منه فى المشى بين القبور ، وقد شرح الأمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - فى تهذيب السنن هذه المسألة ، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال : حديث بشير إسناده جيد ذهب إليه إلا إنه من علة.

وقد ثبت أن الأمام أحمد - رحمه الله - كان يعمل بهذا الحديث فقال أبو داود فى مسائله : رأيت أحمد - رحمة الله عليه - إذا تبع جنازة فقرب من المقابر خلع نعليه قال : فرحمة الله ما كان اتبعه للسنة صلى الله وسلم وبارك على صاحبها ورحم الله الإمام أمام أهل السنة. إذا فالنهى للكراهة والله تعالى أعلم.

أيضا لا يشرع وضع الورد والرياحين والخضرة على القبور ؛ لأنه ليس من فعل السلف الصالح – رضى الله عنهم – كما هو مشهور الآن بين المسلمين ، وقد قال عبد الله بن عمر – رضى الله عنهما : كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة .. كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة .. هذا أثر جميل رواه ابن بطة فى " الإبانة " عن أصول الديانة ، ورواه اللالكائى فى السنة موقوفاً بإسناد صحيح عن ابن عمر – رضى الله عنهما – فلم يثبت عن السلف فعل ذلك .. ويحتج بعضهم أن النبى صلى الله عليه وسلم مر على قبرين وأمر صلى الله عليه وسلم أن يأتى بعض الصحابة بجريد من النخيل وشقه صلى الله عليه وسلم شقين ووضعهما على القبرين وقال
" لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " لعله يخفف عنهما مالم ييبسا.

الإمام العلامة الشيخ أحمد شاكر - رحمة الله عليه - يقول : وقد ازداد العامة إصرارا على هذا العمل الذى لا أصل له ، وغلوا فيه خصوصا فى بلاد مصر تقليدا للنصارى ، حتى صاروا يضعون الزهور على القبور ويتهادونها بينهم فيضعها الناس على قبور أقاربهم ومعارفهم تحية لهم ومجاملة للأحياء وحتى صارت عادة شبيهة بالرسمية فى المجاملات الدولية، فتجد الكبراء من المسلمين إذا نزلوا بلدة من بلاد أوروبا ذهبوا إلى قبور عظمائها أو إلى قبر من يسمونهم الجندى المجهول ويضعون عليه الزهر وبعضهم يضع الزهور الصناعية التى لا نداوة فيها تقليدا للإفرنج ، وإتباعا لسنن من قبلهم ، ولا ينكر ذلك عليهم العلماء من أشباه العامة بل تراهم أنفسهم يضعون ذلك فى قبور موتاهم.

ولقد عملت أن أكثر الأوقاف التى تسمى أوقافا خيرية موقوف ريعها على الخوص والريحان الذى يوضع على القبور ، وكل هذه بدع ومنكرات لا اصل لها فى الدين ولا سند لها من الكتاب والسنة ويجب على أهل العلم أن ينكروها وأن يبطلوا هذه العادات ما استطاعوا.

الحديث الذى ذكرت الآن حديث فى صحيح مسلم وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " إنى مررت بقبرين يعذبان " - انتبه لتعرف لم يضع النبى صلى الله عليه وسلم الخضرة على كل القبور. لماذا اختار قبرين ؟ - هذه علة. ثم من الذى اطلع النبى على عذاب هذين القبرين ؟ هو الله عز وجل وهذا أمر لا يعلمه إلا النبى صلى الله عليه وسلم فهو أمر خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ أنه علم أن صاحبى القبرين يعذبان وأمر بوضع جريد النخل على القبرين فقط دون سائر القبور ، ثم ليست العلة على الإطلاق فى اليبس كما ذكر بعض أهل العلم فى حديث ابن عباس – رضى الله عنهما – وإنما هى شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم فى أن يخفف الله العذاب عن صاحبى القبرين قال : هذا صريح حديث : " إنى مررت بقبرين يعذبان " – وحديث جابر جميل – والحديث فى صحيح مسلم وفيه قال صلى الله عليه وسلم : " إنى مررت بقبرين يعذبان " تَدَبْر " فأحببت بشفاعتى أن يرد عنهما ما دام الغصنان رطبين " ، وكأن الوقت الذى أذن الله عز وجل فيه للمصطفى أن يشفع فيهما للتخفيف عنهما من العذاب هو وقت رطب الغصنين.

قال : فهذا صريح فى أن رفع العذاب إنما هو بسبب شفاعته صلى الله عليه وسلم ودعائه لهما لا بسبب النداوة ، وسواء كانت قصة جابر هذه هى عين قصة ابن عباس المتقدمة كما رجحه العينى وغيره أو غيرهما كما رجحه الحافظ ابن حجر فى الفتح قال : وفى حديث ابن عباس نفسه يشير إلى أن السر ليس فى النداوة أو بالأحرى ليست هى السبب فى تخفيف العذاب.

وذلك قوله : " ثم دعى بعسيب فشقه اثنين يعنى طولا " ، فإن من المعلوم أن شقه سبب لذهاب النداوة من الشق ويبس العسيب بسرعة فتكون مدة التخفيف أقل مما لو لم يشق ويبس العسيب بسرعة فلو كانت هى العلة لأبقاه صلى الله عليه وسلم بدون شق ولوضع على كل قبر من قبور المسلمين عسيبا أو نصف عسيب على الأقل ، فإذا لم يفعل ذلك دل على أن النداوة ليست هى السبب فى تخفيف العذاب وتعين أنها علامة على مدة التخفيف الذى أذن الله به استجابة لشفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم كما هو مصرح به فى حديث جابر.

وبذلك يتفق الحديثان فى تعيين السبب وإن احتمل اختلافهما فى الواقعة وتعددها هذا كلام نفيس جدا إذن الأصل : هو شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فالراجح من أقوال جمهور أهل العلم كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر فى الفتح أن وضع الجريد على القبر إنما هو فعل خاص بالنبى صلى الله عليه وسلم ، وأن السر فى تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن فى نداوة العسيب بل فى شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم ودعائه لهم.

وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى ولا لغيره من الصحابة ولا لأحد من الأمة ، لأن الإطلاع على عذاب القبر من خصوصيات المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو من الغيب الذى لا يطلع الله عليه أحدا إلا من أرتضى من رسول كما قال تعالى : ] عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [

[الجن : 26 ، 27]

فالمسألة خاصة بالنبى صلى الله عليه وسلم بدليل أن النبى صلى الله عليه وسلم كان بين المقابر لم يضع الخضرة إلا على قبرين اثنين ولم يضع الخضرة على سائر القبور.

أيضا من المسائل المتعلقة بالمقابر أنه يحرم الذبح عند القبر

هناك عادة خبيثة جدا لا زالت موجودة أيضا وهى الذبح تحت النعش أثناء الخروج من الدار ، إذا وضع الميت فى النعش أو حمل على الخشبة يذبحون تحت النعش هذا يسمى عقرا، والنبى r يقول : " لا عقر فى الإسلام "([1]) ، والحديث أخرجه أبو داود والبيهقى وأحمد بسند صحيح.

قال شيخ الإسلام : وأما الذبح عند القبور فمنهى عنه مطلقا . قال أحمد فى رواية المروازى : قال النبى صلى الله عليه وسلم : " لا عقر فى الإسلام " كانوا إذا مات لهم الميت نحورا جزورا على قبره - جزورا يعنى جملا - فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وكره الأمام أحمد أكل لحمه.

قال أصحابنا : فى معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا فى التصدق عند القبر بخبز أو نحوه يعنى ما سوى هذا على النهى عن العقر عند القبر. قال النووى فى المجموع شرح المهذب : وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس الذى ذكرت آنفا رواه أبو داود والترمذى وقال : حسن صحيح.

قلت : والقائل هو النووى وهذا إذا كان الذبح هناك لله تعالى ، يعنى إذا كان الذبح هناك عند القبور لله فهو مكروه ، أما إذا كان الذبح لصاحب القبر كما يفعله بعض الجهال فهو شرك صريح وأكله حرام وفسق كما قال تعالى : ] وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [ [الأنعام : 145] ، أى والحال أنه كذلك بأنه ذبح لغير الله هذا هو الفسق هنا كما ذكر الله تعالى : ] أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ [الأنعام : 145]

وفى رواية فى مسند الأمام أحمد بسند حسن من حديث ابن عباس ، ورواها أيضا الأمام مسلم فى صحيحه من حديث ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم عن من ذبح لغير الله - اسمع ما قال ابن عباس قال : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله من ذبح لغير الله "([2]) ، وكم من الناس الآن يذبحون



للأولياء وللصالحين ويقولون : البهيمة هذه للبدوى ، وهذه دى للحسين وهذا البهيمة دى لسيدنا النبى هذا والعياذ بالله شرك. قال صلى الله عليه وسلم : " لعن من ذبح لغير الله " الذبيحة لابد أن تكون لمن ؟ لله ورب العزة يقول : ] لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [ [ الحج : 37 ].

نحن لا نقدم لله لحما ولا دما وإنما تقدم أنت لنفسك دليلا عمليا على تقوى قلبك :
] ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [ [ الحج : 32 ].

فالذبح لا يكون لنبى ولا لولى ، وإنما يجب أن يكون الذبح خالصا لله تعالى على اسم الله ، فالذبح لنبى أو لولى ذبح حرام ولا تحل إطلاقا هذه الذبيحة ولا يجوز الأكل منها ؛ لقول النبى r : " لعن الله من ذبح لغير الله " ([3]).

إذا يحرم الذبح عند القبور ؛ لأن الذبح لا يكون إلا لله تبارك وتعالى ، لكن لو مات والدك مثلاً أو عزيز لديك وذبحت شاه وقلت : إن شاء الله هذه أتصدق بها لله تبارك وتعالى ليرحم الله عز وجل بهذه الصدقة والدى فلا بأس وهذا من العمل المشروع ، فالتوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح مشروع.

قال صلى الله عليه وسلم : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له " ([4]).

أيضا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه أو يزاد عليه أو يكتب عليه([5]).

نهى رسول الله r أن يجصص القبر ، والتجصيص : من الجص وهو الطلاء ويزين ويطلى القبر من الخارج أو يدهن ويجصص بالحجارة الفروعون ، ونرى تنافسا الآن فى هذا. فبعض القبور تشعر أنها سكن الأحياء ، فالقبر محاط بسور جميل ، ومبنى بالحجر الفرعونى ، وترى حياة كاملة بين القبور ، فالنبى صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه أو يزاد عليه بمقدار شبر ، لأن السنة قيدت شبرا كما ذكرت قبل ذلك أو يكتب عليه والحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائى وغيرهم.

الشيخ ناصر رحمه الله يقول : قلت : ولعل الصواب التفصيل على نحو ما يأتى إذا كان المقصود بالتجصيص هو طلاء القبر أو تلبيس القبر من الخارج بالطين أو بالأسمنت المعروف إذا كان المقصود به المحافظة على القبر وعلى بقائه مرفوعا قدر ما سمح به الشرع بحيث لا تنسفه الرياح ولا تبعثره الأمطار ولا يكون عرضة للسرقة أو للنبش أو للنهب فهذا جائز مشروع وهو مما جاءت به الشريعة.

هذا كلام نفيس وقد ذكرت ذلك من قبل إذا كان الهدفُ حفظ الميت وحفظ القبر من أن تنسفه الرياح أو تزيله الأمطار أو يكون عرضة للنبش من عصابات نبش القبور ، الذين ينتهكون ويخرجون الجثة ن ليأخذوا أعضاء الميت ويبيعونها لم يبحثون عن الأعضاء ممن يُجرون عليها التجاربَ ، كليات الطب وغيرها ‍‍‍‍

وأن كان المراد حماية القبور من أن تنبشها الكلاب ، فهو جائز بدون أدنى شك فهو يحقق غاية مشروعة.

قال الشيخ رحمه الله : ولعلم من هذا وجه من قال من الحنابلة أنه يستحب. وقد ذكرتُ قياس أن فى بيئتنا الزراعية قد يصعب علينا تعميق القبر فى باطن الأرض لقرب المياه التى تؤذى الميت حتما ، ومن ثم أو ارتفعنا قليلا عن الأرض بنية حفظ الميت لا من أجل المياهاه والفخر والخيلاء فلا بأس بذلك وهذا ما تقتضيه الشريعة الغراء.

أما الكتابة على القبور فظاهر الحديث التحريم ، وهو ظاهر كلام ابن حزم ، وصرح الشافعية والحنابلة بالكراهية فقط ، وقال النووى : قال أصحابنا : وسواء أكان المكتوب على القبر لوح عند رأسه كما جرت عادة بعض الناس أم فى غيره فكله مكروه لعموم الحديث.

قال الشيخ ناصر رحمه الله : واستثنى بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة – ما أظن أن الكتابة للزخرفة أبدأ – بل للتعرف على صاحب القبر قياساً على وضع النبى e الحجر على قبر عثمان بن مظعون ، الكتابة ليست من الزخرفة فى شئ بل قال الشوكانى فى كلام جميل قال : وهو من التخصيص بالقياس وقد قال به الجمهور ؛ لأنه لا قياس فى مقابلة النص كما قال فى ضوء النهار ، ولكن الشأن فى صحة هذا القياس. قال : والذى أراه والله أعلم – تدبر أدب العلماء يا أخى سبحان الله – والذى أراه والله أعلم أن القول بصحة هذا القياس على إطلاقه بعيد والصواب تقييده بما إذا كان الحجر لا يحقق الغاية التى من أجلها وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر إلا وهى التعرف على صاحب القبر. قال : القول بصحة هذا القياس على إطلاقة بعيد ؛ لأن القاعدة الأصولية تقول : لا قياس مع النص ، ثم قال : والصواب تقييده بما إذا كان الحجر لا يحقق الغاية من أجلها وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر إلا وهى التعرف على صاحب القبر وذلك بسب كثرة القبور مثلاً وكثرة الأحجار المُعرفة.

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى على القبر([6]) والحديث أخرجه ابن ماجه بسند ، رجاله جميعا



رجال الصحيح إلا أنه منقطع ، وقال الهيثمى : رجاله ثقات ، وفى الزوائد : إسناده صحيح ورجاله ثقات ..

ومن الأحاديث المتعلقة بهذا الباب عن أبى الهياج الأسدى قال : قال لى على بن أبى طالب – وأبو هياج الأسدى كان عاملاً لعلى بن أبى طالب يعنى بمثابة وزير
الشرطة – قال : قال لى على بن ابى طالب : إلا أبعثك على ما بعثنى عليه رسول الله ؟ إلا تدع تمثالاً – وفى رواية صورة – فى بيت إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلى سويته([7]) .. أبو الهياج الأسدى يحكى عن من ؟ عن على رضوان الله عليه ، وعلى يأمره وهو أمير المؤمنين



ونحن ننكر بصوت مرتفع أن تبنى المساجدُ على القبور وأن تشيد القبور بهذه الصورة المريبة التى نراها.

لكننا نتكلم الآن عن قضية إنكار المنكر فلابد من فقه هذا الإنكار.

أخواننا خرجوا على قبر فأحرقوه وأحدثوا فتنة شديدة جداً ثم قبض على هؤلاء الأخوة وعلى غيرهم ، وشيد القبر تشييدا ضخما ، فيا أخواننا أبو هياج الأسدى كان عاملاً لعلى، أردت الإشارة إلى أن فعل أبى الهياج الأسدى إنما هو فعل رجل مسؤول لأمير المؤمنين على – رضى الله عنه – حتى لا نستدل أيضا بالأدلة فى غير موضعها.

عن تمامة بن شفى قال : خرجنا مع فضالة بن عبيد إلى أرض الروم وكان عاملا معاوية على الدرك وفى راوية : غزونا أرض الروم وعلى ذلك الجيش فضالة بن عبيد الأنصارى ، فأصيب ابن عم لنا فصلى عليه فضالة ، وقام على حفرته حتى داراه فلما سوينا عليه حفرته قال : أخفوا عنه .. وفى لفظ خففوا عنه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا بتسوية القبور([8]).



قال الشيخ رحمه الله : الظاهر من حديث فضالة كان يأمرنا بتسوية القبور تسويتها بالأرض بحيث لا ترفع إطلاقا . قال : هذا الظاهر غير مراد قطاعاً بدليل أن السنة هى الرفع للقبر فوق الأرض بمقدار شبر كما مرت الإشارة إليه ، ويؤيد هذا من الحديث نفسه قول فضالة : خفضوا – أى التراب – فلم يأمر بإزالة التراب عنه بالكلية ..

ومن الأخطاء الكبيرة التى يقع فيها كثير من المسلمين جلوسهم على المقابر ووقوفهم بالنعال على المقابر ، مع أن النبى صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ذلك نهياً شديداً وتوعد من فعل ذلك والحديث فى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة – رضى الله عنه – أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال : " لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر "([9]) ، وفى رواية : " خيراً أن يطأ على قبر "

فأنا أنبه المسلمين. إذا ذهبت إلى مقبرة فى جنازة ووجدت رجلا يجلس على القبر قل
له : أنزل لهذا النهى الشديد ، لأن هذا المنكر استشرى مع أن كثير منا يعرف الحكم.

" لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر " .. والحديث رواه مسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه واحمد والبيهقى وغيرهم ، وفى رواية عن عقبة بن عامر – رضى الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" لأن أمشى على جمرة أو سيف أو أخصف نعلى برجلى أحب إلى من أن أمشى على قبر مسلم " " لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلى برجلى أحب إلى من أن أمشى على قبر مسلم " وفى هذا الحديث دلالة على تحريم الجلوس عل القبور وعلى تحريم المشى على القبور. وهذا مذهب جمهور أهل العلم.

أيضا الصلاة إلى القبور محرمة قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم : " لا تصلوا إلى القبور "([10]) ..



وفى هذا دليل على تحريم الصلاة إلى القبر لظاهر النهى كما قال الأمام النووى رحمه الله تعالى قال صاحب فيض القدير : إن قصد إنسان التبرك بالصلاة فى تلك البقعة – أى عند مقبرة معينة ويصلى وهو يقصد التبرك بالصلاة فى تلك البقعة – فإن قصد إنسان التبرك بالصلاة فقد ابتدع فى الدين ما لم يأذن به الله.

قال النووى : كذا قال أصحابنا ، ولو قيل بتحريمه بظاهر الحديث لم يبعد ، ويؤخذ من الحديث النهى عن الصلاة فى المقبرة فهو مكروه كراهة تحريم لا كراهة تنزيه ، وقد استشهدت بقول النبى صلى الله عليه وسلم كما فى صحيح البخارى ومسلم : " اجعلوا فى بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً " ([11]) .. لفظ البخارى " اجعلوا فى بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً" ([12]) وفى لفظ : " لا تجعلوا بيوتكم



مقابر " ([13])

هذا دليل على أن المقابر لا يصلى فيها فنهى النبى e أن تكون البيوت كالمقابر بحيث لا يصلى فيها ، وفى لفظ : " لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذى تقرأ فيه سورة البقرة " ([14]) دل



ذلك على أن المقابر لا تقرأ فيها سورة البقرة أو القرآن ..

واختم الحديث الليلة بحكم بناء المساجد على القبور فلا يجوز أن تبنى المساجد أبدا على القبور سواء أكانت هذه القبور للأنبياء أو الصالحين أما مسجد النبى صلى الله عليه وسلم فله حكم خاص كما سأبينه الآن