المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا سيطر البِيض على العالم؟


مراسل المنتدى
03-29-2017, 02:47 AM
سبق وكتبت مقالا عن الباحث الأميركي جاريد دايموند المتخصص في عوامل وتقدم وتخلف المجتمعات البشرية. استعرضت كتابه "مسدسات وجراثيم وفولاذ" أهم ثلاثة أسلحة مكنت البيض من السيطرة على العالم، والتفوق على شعوب القارات الأخرى (وأنصحك برؤيته كفيلم وثائقي على اليوتيوب)..

والحقيقة هي أن دايموند يملك -إلى جانب هذا الكتاب- ثمانية كتب أخرى تدور حول هذا الموضوع أبرزها الانهيار الذي نشره عام 2004.. وفي مقدمة هذا الكتاب يخبرنا أنه فكر بتأليفه بعد أن سأله أحد أبناء غينيا الجديدة: لماذا تمكنتم أنتم البيض من تطوير الكثير من الأدوات في حين أننا السود لم نصنع شيئا؟ وكي يجيب عن هذا السؤال اضطر للبحث في الثلاثة عشر ألف عام الماضية من تاريخ البشر.. بدأ من نهاية العصر الجليدي الأخير، مرورا بحضارة ما بين النهرين، حيث اُكتشف الزراعة، وزرعت الحبوب.. وبظهور الزراعة بدأت المجتمعات بالاستقرار قرب الأنهار حيث تبلورت الحضارات العظيمة.. وخلال ذلك ظهرت الطبقات المجتمعية المختلفة، والجيوش المنظمة، واخترعت الأسلحة والأدوات المعدنية.. وكلما ارتفع عدد البشر، تطورت مطالبهم، وتوسعت احتياجاتهم لموارد جديدة.. لهذا السبب لم يكفوا عن التنقل والبحث عن المزيد منها في المناطق والقارات البعيدة.. ولهذا السبب أيضا تهافت الأوروبيون على استغلال موارد البلدان الضعيفة في أفريقيا وآسيا، مستعينين بأسبقيتهم الصناعية، وقوتهم العسكرية، وحاجتهم المتزايدة للموارد التصنيعية..

ولكن لماذا ظهرت الصناعات والأسلحة الحديثة في أوروبا، وليس في أي مكان آخر من العالم؟

يؤكد دايموند على عاملي الجغرافية والاستمرارية.. فالعوامل الجغرافية رسمت الفرق، وشكلت العالم الجديد.. والمجتمعات التي استمرت في إنتاج الطعام من خلال الزراعة تطورت لاحقا لمرحلة التصنيع والإنتاج الموسع. لم تنتقل المجتمعات الزراعية في الشرق الأوسط لمرحلة الصناعة (بسبب الحروب والجفاف وانهياراتها الدائمة)، في حين نجحت في أوروبا بفضل الموقع الجغرافي، وخصوبة الموارد، والأهم وجود تحديات فرضت على المجتمعات الأوروبية تجاوزها من خلال التصنيع. وبقدوم عام 1500 للميلاد استخدم الأوروبيون أدواتهم المتطورة، وأسبقيتهم في التصنيع، وامتلاك الأسلحة للهيمنة على بقية شعوب، واحتلال أجزاء كبيرة من العالم، بحيث ازادوا قوة، وازدادت الشعوب الأخرى ضعفاً وتفككاً..

وفي النهاية نخلص إلى أن دايموند يعطي للموقع الجغرافي تأثيراً رئيسياً، حيث ترسم الجغرافيا التاريخ، وتحدد مصير الشعوب، (وحسب رأيي المتواضع تحدد الجغرافيا أيضا طبيعة الدين، والثقافة، والأيدلوجيا، بدليل استقرار دول نائية مثل فنلندا، ونيوزلندا، مقارنة بدول ظلت دائما في منتصف الاضطرابات، والخلافات الأيدلوجية كالعراق وأفغانستان)..

باختصار شديد، يعتقد الرجل أن الشعوب الأفريقية لو سكنت في قارة أوروبا لهيمن السود على العالم.. أما أميركا فهي بكل بساطة، امتداد ثقافي، وفكري، ونخبوي للقارة الأوروبية..